الوقت- أعلن تنظيم الدولة مسؤوليته عن تنفيذ هجومين استهدفا عناصر من الجيش السوري في مناطق شمال وشرق البلاد، في تطور أمني يعكس عودة نشاطه المسلح بعد فترة من التراجع النسبي، ووفق البيانات الصادرة، فقد استهدف أحد الهجومين فرداً من الجيش في مدينة الميادين بمحافظة دير الزور باستخدام مسدس، بينما وقع الهجوم الثاني في الرقة حيث أطلق مسلحون النار بأسلحة رشاشة على عنصرين من القوات الحكومية.
وتؤكد الجهات الرسمية أن أحد الجنود قُتل مع مدني خلال عملية استهداف في ريف الرقة الشمالي نفذها مجهولون، ويشير هذا التباين في الروايات بين إعلان التنظيم وبيانات السلطات إلى تعقيد المشهد الأمني في مناطق لا تزال تشهد نشاط خلايا مسلحة متفرقة، الأمر الذي يعكس هشاشة الاستقرار النسبي في بعض المناطق الخارجة حديثاً من دوامات الحرب.
دلالة إعلان «مرحلة جديدة»
لم يكتف التنظيم بتبني الهجومين، بل أعلن أن هذه العمليات تمثل بداية ما وصفه بـ«مرحلة جديدة من العمليات» ضد القيادة السورية الحالية، ويحمل هذا الإعلان دلالة استراتيجية تتجاوز مجرد تبني عمليات منفردة، إذ يشير إلى تحول في الخطاب من الدفاع أو الرد إلى المبادرة والتصعيد، وقد تزامن ذلك مع نشر تسجيل صوتي نُسب إلى المتحدث باسم التنظيم دعا فيه أتباعه إلى قتال الحكومة السورية وهدد بمزيد من الهجمات داخل البلاد، ويعد ظهور تسجيل صوتي بعد انقطاع يقارب عامين مؤشراً على محاولة التنظيم إعادة إظهار حضوره الإعلامي والعسكري معاً، وهو أسلوب اعتاد استخدامه تاريخياً لرفع معنويات أنصاره وإثبات بقائه رغم الضربات الأمنية.
سياق سياسي وعسكري أوسع
تأتي هذه التطورات في ظل تصعيد واضح من التنظيم ضد القيادة السورية الحالية، التي يتهمها بالتعاون مع التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، ويرى التنظيم أن هذا التعاون يمثل اصطفافاً ضده، وقد وصف الحكومة بأنها تابعة لقوى خارجية، معتبراً أن البلاد انتقلت من نفوذ إلى آخر، وتكشف هذه التصريحات أن الصراع لم يعد عسكرياً فقط، بل أصبح أيضاً صراعاً دعائياً وسياسياً يحاول فيه كل طرف ترسيخ شرعيته أمام أنصاره والرأي العام، كما تعكس الاتهامات المتبادلة عمق الانقسام الداخلي والإقليمي المحيط بالملف السوري.
تصاعد العمليات بعد تغيّر السلطة
تشير المعطيات إلى أن التنظيم نفذ عدة هجمات ضد أهداف حكومية منذ سقوط النظام السابق في أواخر عام 2024، ما يدل على تصاعد تدريجي في وتيرة عملياته، كما سبقت الهجومين عملية أخرى في دير الزور أدت إلى مقتل عنصر من قوات الأمن الداخلي وإصابة آخر.
وتوضح هذه الوقائع أن التنظيم يتبع نمط «الاستنزاف» عبر هجمات صغيرة لكنها متكررة، وهو تكتيك معروف في حروب العصابات يهدف إلى إنهاك الخصم نفسياً وأمنياً دون الحاجة إلى معارك واسعة، ويبدو أن التنظيم يسعى لإثبات قدرته على العمل رغم فقدانه السيطرة على الأراضي التي كان يسيطر عليها سابقاً.
العوامل الأمنية المساعدة على النشاط
من الأسباب التي قد تفسر عودة النشاط المسلح للتنظيم طبيعة الجغرافيا السورية، وخصوصاً المناطق الصحراوية الواسعة التي تسمح بانتشار خلايا صغيرة يصعب تعقبها، وتشير معطيات ميدانية إلى أن عناصر التنظيم الذين انسحبوا سابقاً إلى مناطق البادية ما زالوا ينفذون هجمات متفرقة بين الحين والآخر، كما أن التحولات السياسية والعسكرية السريعة في البلاد خلقت فراغات أمنية مؤقتة يستغلها التنظيم لإعادة ترتيب صفوفه، ويضاف إلى ذلك أن تعدد القوى الفاعلة على الأرض يشتت الجهود الأمنية ويجعل التنسيق الكامل أكثر صعوبة، وهو ما يمنح الجماعات المسلحة مساحة للحركة وإعادة التنظيم.
رسائل التنظيم وأهدافه الاستراتيجية
تحمل هجمات التنظيم رسائل تتجاوز أثرها العسكري المباشر، إذ يسعى من خلالها إلى إظهار أنه ما زال قادراً على التأثير رغم الضربات التي تلقاها في السنوات الماضية، كما تهدف هذه العمليات إلى رفع معنويات أنصاره وجذب مجندين جدد عبر إثبات استمرار «القدرة العملياتية»، وفي المقابل، فإن استهداف الجيش تحديداً يعكس رغبة التنظيم في تحدي الدولة ومؤسساتها الأمنية بشكل مباشر، ما يمنح الهجمات بعداً رمزياً يتجاوز الخسائر البشرية المحدودة، ويبدو أن اختيار أهداف فردية أو صغيرة ليس عشوائياً، بل جزءاً من استراتيجية تعتمد على ضربات خاطفة تضمن الحد الأدنى من المخاطرة مقابل تحقيق أثر إعلامي كبير.
انعكاسات التصعيد على المشهد السوري
من المرجح أن يؤدي إعلان التنظيم بدء مرحلة جديدة من العمليات إلى تشديد الإجراءات الأمنية وزيادة العمليات العسكرية ضده، وخصوصاً مع استمرار الضربات التي تستهدف مواقعه من حين لآخر بالتعاون مع قوى محلية، وقد يفضي التصعيد إلى جولة جديدة من المواجهات غير المباشرة بين التنظيم والقوات الحكومية، ما قد يهدد الاستقرار الهش في بعض المناطق، كما أن استمرار الهجمات قد يعرقل جهود إعادة الإعمار وإعادة بناء المؤسسات، لأن أي تصاعد أمني يعيد البلاد إلى دائرة القلق ويؤثر على ثقة السكان والجهات الدولية.
خلاصة المشهد وتوقعات المرحلة المقبلة
توضح الهجمتان الأخيرتان أن تنظيم الدولة يسعى لإعادة تثبيت حضوره عبر استراتيجية تصعيد تدريجي تعتمد على عمليات محدودة لكنها متكررة ومصحوبة بحملة إعلامية، ويكشف إعلان «مرحلة جديدة» أن التنظيم لا يرى نفسه في موقع الدفاع بل في موقع الاستعداد لمواجهة طويلة، مستفيداً من التعقيدات السياسية والأمنية في سوريا، ورغم أن حجم العمليات لا يزال محدوداً، فإن دلالاتها السياسية والعسكرية كبيرة، لأنها تشير إلى أن خطر التنظيم لم ينتهِ بل دخل طوراً جديداً يعتمد على حرب استنزاف طويلة، وبالتالي فإن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التوتر الأمني ما لم تنجح الجهود العسكرية والسياسية في الحد من قدرة هذه الجماعات على إعادة تنظيم صفوفها.
