الوقت- في خضم التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، برز مقترح جديد يثير جدلاً واسعاً حول مستقبل النظام المالي في قطاع غزة، يتمثل في استخدام عملة رقمية مستقرة مرتبطة بالدولار الأمريكي كأداة لإعادة تنشيط الاقتصاد المحلي.
هذا الطرح، الذي نُسب إلى مبادرات يجري تداولها داخل ما يسمى «شورى السلام» المرتبطة بخطة أمريكية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، يفتح الباب أمام نقاش عميق يتجاوز الجانب المالي ليشمل الأبعاد السياسية والإنسانية والسيادية.
المبادرة، التي كُشف عنها في تقارير إعلامية دولية، لا تزال في مراحلها الأولية، لكنها تعكس توجهاً متنامياً نحو توظيف التكنولوجيا المالية في البيئات المتضررة من النزاعات، وبينما يرى مؤيدوها أنها قد تمثل حلاً عملياً لأزمة السيولة وانهيار البنية المصرفية في غزة، يحذر منتقدون من أنها قد تتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع الاقتصادي والاجتماعي بما يعمّق التبعية ويعزز آليات الرقابة الرقمية.
خلفية اقتصادية: نظام مالي على حافة الانهيار
تعرض الاقتصاد في قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة لضربات قاسية نتيجة الحروب المتكررة والحصار الطويل والانقطاع المستمر للخدمات الأساسية، وقد أدى تدمير البنية التحتية المصرفية وتعطل شبكات الدفع التقليدية إلى نقص حاد في السيولة النقدية، ما أعاق عمليات التجارة اليومية ودفع الرواتب وتحويل المساعدات الإنسانية.
في ظل هذا الواقع، أصبح إدخال حلول مالية بديلة ضرورة ملحة، خاصة مع صعوبة نقل الأموال نقداً أو تشغيل أجهزة الصراف الآلي أو الحفاظ على استقرار النظام المصرفي التقليدي، ومن هنا ظهرت فكرة العملة الرقمية المستقرة كوسيلة لتجاوز القيود اللوجستية وتسهيل التدفقات المالية.
ماهية العملة المستقرة المقترحة
العملة المستقرة (Stablecoin) هي نوع من العملات الرقمية التي ترتبط قيمتها بأصل ثابت، غالباً الدولار الأمريكي، بهدف تقليل التقلبات السعرية المرتبطة بالعملات المشفرة التقليدية مثل بيتكوين، ووفق التصورات المتداولة، لن تحل هذه العملة محل الشيكل المستخدم فعلياً في المعاملات داخل غزة، بل ستعمل كقناة دفع رقمية موازية، وخاصة في مجالات توزيع المساعدات الإنسانية والتحويلات المالية.
ويعتقد مؤيدو المشروع أن استخدام تقنية البلوك تشين قد يعزز الشفافية ويقلل من احتمالات الفساد أو تحويل الأموال لأغراض عسكرية، إذ يمكن تتبع كل معاملة رقمياً، ما يسمح للجهات المانحة بمراقبة تدفق الأموال بدقة.
الجهات الفاعلة ودور التكنولوجيا
تشير تقارير إلى أن رجل الأعمال الإسرائيلي في مجال التكنولوجيا المالية ليران تانكمان يشارك في مناقشات تتعلق بتصميم هذا النظام، بالتعاون مع شركات فلسطينية وأخرى من دول عربية في الخليج الفارسي، ويُطرح المشروع ضمن رؤية أوسع تقوم على إنشاء «بنية تحتية رقمية» تشمل أنظمة دفع إلكتروني وخدمات مالية رقمية وربما منصات لوجستية رقمية لإدارة سلاسل الإمداد.
ووفق هذه الرؤية، فإن إعادة ربط غزة بالاقتصاد الرقمي العالمي قد تفتح المجال أمام الابتكار المالي وتسهيل التجارة الإلكترونية، إضافة إلى تحسين كفاءة توزيع الموارد الإنسانية وإعادة الإعمار.
الأبعاد الإنسانية: بين تسريع المساعدات وتعقيد الوصول
من الناحية النظرية، قد تساهم العملة الرقمية في تسريع وصول المساعدات إلى السكان، وخاصة في ظل تعطل القنوات التقليدية، فبدلاً من نقل الأموال نقداً، يمكن تحويلها مباشرة إلى محافظ رقمية للأفراد، ما يقلل التكاليف ويحد من المخاطر الأمنية.
لكن هذه الفكرة تواجه تحديات عملية كبيرة، أبرزها الانقطاع المتكرر للكهرباء وضعف البنية التحتية للاتصالات، وهي عوامل قد تجعل الاعتماد الكامل على النظام الرقمي أمراً صعب التنفيذ، كما أن نسبة كبيرة من السكان قد تفتقر إلى الهواتف الذكية أو المعرفة التقنية اللازمة لاستخدام المحافظ الرقمية.
المخاوف السياسية والسيادية
أثارت المبادرة انتقادات حادة من جهات حقوقية وسياسية، إذ اعتبرت أن إدخال نظام مالي رقمي في بيئة تفتقر إلى السيادة الكاملة قد يمنح جهات خارجية قدرة كبيرة على التحكم في الاقتصاد المحلي، ويرى منتقدون أن أي نظام مالي يمكن برمجته رقمياً قد يسمح بتقييد الوصول إلى الأموال أو تجميدها، ما يحول الحق في المال إلى أداة ضغط سياسية أو أمنية.
كما يخشى محللون من أن يؤدي هذا النظام إلى فصل اقتصادي أعمق بين غزة والضفة الغربية، ما قد يكرس واقعاً مالياً منفصلاً ويؤثر على وحدة النظام الاقتصادي الفلسطيني.
الاقتصاد الرقمي كأداة للرقابة؟
تشير بعض الانتقادات إلى أن العملات الرقمية القابلة للبرمجة قد تتيح تتبع المعاملات بشكل كامل، ما يثير مخاوف بشأن الخصوصية والرقابة، فإمكانية مراقبة كيفية إنفاق الأموال أو تحديد مجالات استخدامها قد تتحول، في نظر المنتقدين، إلى وسيلة للضبط الاجتماعي والاقتصادي.
ويرى منتقدو المشروع أن أي بنية مالية رقمية تُنشأ دون سيطرة محلية كاملة على البيانات والأنظمة قد تفتح الباب أمام استخدام التكنولوجيا كأداة للضغط أو إعادة تشكيل السلوك الاقتصادي للسكان.
التحديات القانونية والتنظيمية
لا يقتصر الجدل على الجانب السياسي، بل يمتد إلى الإطار القانوني، إذ لا توجد حتى الآن بنية تشريعية واضحة لتنظيم العملات الرقمية في غزة، ويتطلب تنفيذ المشروع وضع قواعد دقيقة تتعلق بحماية البيانات، ومنع غسل الأموال، وضمان حقوق المستخدمين، وتحديد الجهة المسؤولة عن إصدار العملة وإدارتها.
كما يطرح المشروع تساؤلات حول العلاقة بين هذه العملة والنظام النقدي القائم، ومدى توافقها مع القوانين المالية الدولية، وخاصة في ظل التعقيدات السياسية المحيطة بالقطاع.
الرهانات الاقتصادية: فرصة أم مخاطرة؟
من منظور اقتصادي بحت، قد توفر العملة المستقرة مزايا مهمة، مثل خفض تكاليف التحويلات المالية، وتقليل الاعتماد على النقد، وتعزيز الشمول المالي، وخاصة للفئات التي لا تمتلك حسابات مصرفية، كما قد تسهم في جذب الاستثمارات الرقمية وخلق بيئة اقتصادية جديدة قائمة على التكنولوجيا.
لكن في المقابل، فإن فشل المشروع أو سوء إدارته قد يؤدي إلى فقدان الثقة في النظام المالي، أو تعميق الفجوة الرقمية، أو خلق اقتصاد موازٍ غير مستقر يعتمد بالكامل على بنية خارجية.
البعد الجيوسياسي
لا يمكن فصل المشروع عن السياق الجيوسياسي الأوسع، إذ يأتي في إطار محاولات إعادة تشكيل إدارة غزة بعد الحرب،ويرى بعض المراقبين أن إدخال نظام مالي جديد قد يكون جزءاً من رؤية أوسع لإعادة تنظيم الاقتصاد المحلي وربطه بشبكات إقليمية ودولية.
وفي هذا السياق، يبرز دور الكيان الإسرائيلي بوصفه طرفاً رئيسياً في المعادلة، سواء من حيث البنية التحتية أو السيطرة على المعابر أو التأثير على التدفقات المالية، وهو ما يزيد من حساسية المشروع ويعزز الجدل حول أبعاده السياسية.
مستقبل الفكرة: بين التجربة والواقع
حتى الآن، لا يزال المشروع في مرحلة النقاش، ولم تُتخذ قرارات نهائية بشأن تنفيذه،لكن مجرد طرح الفكرة يعكس اتجاهاً عالمياً متنامياً نحو استخدام التكنولوجيا المالية في إدارة الأزمات الإنسانية والاقتصادية.
وقد تتحول غزة، في حال تنفيذ المشروع، إلى ساحة اختبار حقيقية لمدى قدرة العملات الرقمية المستقرة على العمل في بيئات النزاع، وهو اختبار قد تكون نتائجه ذات تأثير عالمي على مستقبل الاقتصاد الرقمي في المناطق الهشة.
يقف مقترح العملة الرقمية المستقرة في غزة عند تقاطع معقد بين التكنولوجيا والسياسة والاقتصاد والإنسانية، فبينما يراه البعض فرصة لتجاوز الانهيار المالي وتسريع إعادة الإعمار، يعتبره آخرون مشروعاً محفوفاً بالمخاطر قد يعيد تشكيل الاقتصاد المحلي بطرق غير متوقعة.
ومع استمرار النقاش، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للتكنولوجيا المالية أن تكون أداة للتحرر الاقتصادي في بيئة تعاني من قيود سياسية وبنيوية، أم إنها ستتحول إلى وسيلة جديدة للسيطرة الرقمية؟ الإجابة على هذا السؤال ستتضح فقط إذا انتقلت الفكرة من مرحلة التصور إلى واقع التطبيق، وهو مسار لا يزال طويلاً ومعقداً.
