الوقت- أدى العدوان الأميركي الصهيوني على إيران وتبعاته الاستراتيجية، وخاصة إغلاق "مضيق هرمز"، إلى زلزال اقتصادي في البنية التحتية التجارية لأوروبا.
والآن تآكل "استقرار السوق"، الذي يشكل العمود الفقري لتخطيط الاقتصاد الكلي واستراتيجيات تشغيل العمالة، بالكامل تحت ضغط تكاليف الطاقة والنقل المتفشية.
وتكمن أهمية هذا الأمر في أن الشركات لا تواجه فقط هوامش ربح منخفضة، بل إن آفاق نموها لعام 2026 أصبحت قاتمة للغاية.
وتظهر التقارير الإعلامية وتحليلات الخبراء أن حالة عدم الاستقرار هذه ليست مجرد تقلبات موسمية؛ بل هو "اضطراب بنيوي" أدى إلى كسر سلاسل العرض وإيقاف محرك تشغيل العمالة في الاقتصادات الكبيرة مثل ألمانيا والمملكة المتحدة.
سلاسل التوريد وتكاليف الإنتاج
وبالإشارة إلى الآثار السلبية للحرب الإيرانية على الظروف الاقتصادية، بحثت وسائل الإعلام في حقيقة أن التوترات الجيوسياسية قد أزعجت توازن تكاليف الشركات.
قبل الحرب، توقعت الشركات زيادات معقولة في تكاليف المدخلات (بخلاف العمالة)، وفقا للمسح، لكن صدمة الطاقة الناجمة عن الصراعات غيرت هذه الحسابات تماما. وأعلنت شبكة "فرانس 24" عن ذلك أنه في الأسبوعين السابقين لبدء الحرب، توقعت الشركات أن ترتفع أسعار المبيعات وتكاليف المدخلات بخلاف العمالة لديها بمعدل 3.0% و3.9%، لكن هذا الرقم ارتفع بشكل ملحوظ. وقال ويسسن من بانثيون إيكونوميكس إن فرنسا تواجه توقعات صعبة للغاية. وأضاف "فرنسا لا تخفض الضرائب لأنها لا تستطيع تحملها... المستهلكون الفرنسيون يتعرضون لضغوط حقيقية".
عدوى الأزمة إلى سوق العمل والأجور
لقد أثر الضرر الذي لحق ببيئة الأعمال بشكل مباشر على حالة القوى العاملة. ويمكن تحليل هذا الوضع في ثلاث طبقات:
1- توقف التوظيف وتقليص النفقات بشكل واسع: يرى الخبراء أن فترات التضخم المستقرة أصبحت مشكلة في سوق العمل، وهذا سيقلل من هوامش الربح ويؤثر على التوظيف.
وفي منطقة اليورو، من المتوقع أن ينمو التعويض لكل موظف بنسبة 2٪ تقريبًا في عام 2025، في حين يقترب معدل البطالة من أدنى مستوياته التاريخية. لقد تغير هذا الوضع الآن لدرجة أنه يقال إنه أسوأ من فترة وباء كوفيد.
وبحسب استطلاعات "البنك العالمي"، فقد قللت حرب إيران من آمال التعافي الاقتصادي في ألمانيا وضعف توقعات وضع الأعمال والنمو الاقتصادي في عام 2026. أعلن البنك المركزي الألماني (Bundesbank) أنه من المتوقع أن يشهد الاقتصاد الألماني ركودًا في الربع الثاني من عام 2026 بسبب التأثير الاقتصادي لصراعات الشرق الأوسط. وتتصاعد الضغوط الاقتصادية في جميع أنحاء ألمانيا، مع ارتفاع معدل البطالة إلى 6.4%، وهو أعلى مستوى منذ 10 سنوات، حتى مع تفشي الوباء.
وكتبت صحيفة الغارديان أيضًا أن الأخبار التي تفيد بأن معدل البطالة في بريطانيا قد عاد إلى 5٪ في مارس يبدو أنها أحدث دليل على أن حرب إيران دمرت الازدهار الاقتصادي. وأظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية فقدان 100 ألف وظيفة في أبريل، وهو أكبر انخفاض منذ مايو 2020، وكان عدد الوظائف الشاغرة هو الأدنى منذ أوائل عام 2021.
2- انخفاض الأجور الحقيقية: وفقاً لصحيفة فايننشال تايمز، فإن أجور العمال في العديد من الدول الغنية آخذة في الانخفاض نسبة إلى الأسعار؛ لأن صدمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران أوقفت التحسن الناشئ في الأجور الحقيقية. وذلك بينما لم يتمكن العاملون في منطقة اليورو إلا من التخلص من عيوب الصدمة التضخمية لعام 2022. وبحسب هذا التقرير، في منطقة اليورو، أصبح نمو الأجور الحقيقية مقارنة بالتضخم صفراً، وحتى لو استمر الوضع على ما هو عليه الآن، فمن المحتمل أن يصبح سلبياً. ارتفعت أسعار النقل والوقود، ونتيجة لذلك، المنتجات الأخرى في قطاع تكاليف الإنتاج، ولا يستطيع أصحاب العمل رفع الأجور أيضًا.
وبناء على ذلك، قال كلاوس ويستسن من شركة بانثيون ماكروإيكونوميكس الاستشارية إنه يتوقع أن يقترب نمو الأجور الحقيقية في جميع أنحاء منطقة اليورو من الصفر في عام 2026. وأضاف أن المعدل قد يكون "سلبيا للغاية" في دول مثل فرنسا، التي ليس لديها مساحة مالية لحماية المستهلكين.
ويواجه العمال البريطانيون ضغوطا مماثلة. ونما متوسط الدخل، بما في ذلك المكافآت، بنسبة 0.1% فقط بالقيمة الحقيقية في الأشهر الثلاثة حتى مارس، ومن المتوقع أن ينخفض بشكل حاد مع ارتفاع التضخم في الأشهر المقبلة وسط ضعف شديد في التوظيف.
وقال جيمس سميث، كبير الاقتصاديين في مؤسسة القرار البحثية، إن الدعم المالي الذي تقدمه حكومة المملكة المتحدة "ليس ضئيلًا تمامًا" لكنه لن يمنع الجولة الرابعة من تخفيضات الأجور الحقيقية منذ عام 2008.
3- إضعاف القدرة التفاوضية للعمال: تواجه النقابات العمالية، وخاصة في منطقة اليورو، واقعاً مريراً؛ وبسبب الخوف من البطالة وانعدام الأمن الوظيفي، فقد العمال قدرتهم على المساومة من أجل زيادة الأجور.
ونتيجة لصدمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران، بدأت رواتب العمال في الانخفاض نسبة إلى الأسعار في عدد متزايد من البلدان الغنية.
لكن مقياس الأجور المتفاوض عليها، والذي يراقبه البنك المركزي الأوروبي، يظهر أن النقابات تكافح من أجل تأمين مثل هذه الشروط السخية هذا العام؛ لأن العمال أكثر قلقا بشأن أمنهم الوظيفي.
المعضلة التي يواجهها صناع السياسات: الركود مقابل التضخم
في تقرير فايننشال تايمز حول التوقعات الاقتصادية الصعبة، تم التأكيد على أن الوضع المزري لسوق العمل قد وضع صناع السياسات الأوروبيين في مأزق استراتيجي:
خطر الركود: إن تخفيض إنفاق الأسر استجابة للتضخم يمكن أن يوجه الضربة القاضية للنمو الاقتصادي ويؤدي إلى موجة جديدة من تسريح العمال.
خطر التضخم الهيكلي: إذا ارتفعت الأجور لتعويض القوة الشرائية، فهناك خطر حدوث تضخم مستقر على المدى الطويل.
وأخيرا، لا بد من القول إن ما تتعامل معه أوروبا اليوم هو أكثر من مجرد تضخم بسيط؛ هذه "أزمة في استقرار الأعمال".
يتجه سوق العمل نحو الركود مع ضعف توقعات ظروف العمل في ألمانيا (باعتبارها القوة الدافعة لاقتصاد منطقة اليورو) ودول منطقة اليورو الأخرى.
وأصبح الأمن الاقتصادي في أوروبا الآن رهينة لإعادة فتح طرق الطاقة الاستراتيجية؛ وإلى أن يتم تحقيق هذا الاستقرار في البنية التحتية للطاقة، فإن توقع حدوث تحسن ملموس في سوق الأعمال وحالة الأجور يبدو بعيد المنال.
