الوقت- في الوقت الذي يبذل فيه الوسطاء الإقليميون والفاعلون الدوليون جهوداً لإيقاف الحرب في الخليج الفارسي، ومنع استمرار هذه الأزمة الممتدة، واستعادة الاستقرار إلى المنطقة، فإن آلة الحرب في الکيان الصهيوني ما تزال تسير بلا توقف في طريق إحداث الفوضى وإشعال الأزمات. وفي هذا السياق، وعلى عكس الاتجاهات السياسية القائمة التي تتجه نحو تخفيف التوتر وترسيخ وقف إطلاق النار، لم تكتف تل أبيب بتقليل وتيرة هجماتها بل زادت من حجم عملياتها العسكرية على الجبهة اللبنانية.
أعلن بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، يوم الثلاثاء أن "إسرائيل" قررت تصعيد العمليات العسكرية في لبنان. وادعى أن الجيش الإسرائيلي ينشط بقوات مكثفة على الأراضي اللبنانية، ويسيطر على عدد من المواقع الاستراتيجية، ويعزز المنطقة الأمنية على الحدود الشمالية، وهو موقف يعبّر عن استمرار نهج تل أبيب العسكري وغيابها عن احترام الجهود المبذولة لتحقيق الهدوء في المنطقة. بل إن التقارير تفيد بأن الجيش المحتل أصدر تحذيرات بإخلاء فوري لسكان 13 بلدة في جنوب لبنان.
يأتي هذا التصعيد في ظل استعدادات جولة جديدة من المفاوضات بين لبنان والکيان الإسرائيلي تحت إشراف الولايات المتحدة، مما يوضح أن تل أبيب لا تنوي تقديم تنازلات في ميدان الدبلوماسية، وتماماً كما يحذر حزب الله من مخاطر الوقوع في فخ المفاوضات المباشرة مع الکيان الإسرائيلي التي تهدد الاستقرار الداخلي اللبناني، فإن الدبلوماسية بالنسبة للصهاينة هي وجه آخر من عملياتهم العسكرية.
كانت حسابات المقاومة منذ البداية مبنيةً على أن الطريق الوحيد للتحرير والردع وإجبار العدو على التراجع، هو الاعتماد على قوة المقاتلين في ساحة المعركة، لا على وعود سياسية أو اتفاقات لم تلتزم بها تل أبيب أبداً.
لذلك، ركزت المقاومة كل طاقاتها على التصدي للتقدمات وجولة العمليات العسكرية الجديدة للکيان، مع تجاهل الوعود السياسية، معتبرةً أن ذلك يمثّل خطوةً خطيرةً للغاية تهدد الاستقرار الداخلي في لبنان.
ومع ذلك، عند النظر إلى التطورات، يبدو أن موجة الهجمات الجديدة للجيش الصهيوني تعكس أكثر من مجرد قوة وتفوق ميداني في الحرب ضد المقاومة، بل هي انعكاس للحالة الصعبة والمعقدة التي تواجهها تل أبيب؛ من الأزمات الداخلية والضغوط السياسية على حكومة نتنياهو، مروراً بالتغيرات المتسارعة في لبنان والمعادلات الإقليمية، التي دفعت الصهاينة نحو تصعيد الأزمة.
لذلك، إن تصعيد الهجمات الأخيرة لتل أبيب يحمل أكثر من رسالة قوة، فهو مؤشر على القلق والحيرة ومحاولة الهروب من المآزق السياسية والأمنية القائمة.
حل البرلمان؛ نتنياهو في مستنقع الداخل
أولاً، إن إعلان جولة جديدة من التقدم العسكري في عمق الأراضي اللبنانية، يأتي في وقت يواجه فيه نتنياهو أحد أخطر الأزمات في حياته السياسية داخل الأراضي المحتلة.
فمع اقتراب هذا الكيان من انتخابات برلمانية مقررة في نوفمبر المقبل، وبعد أن صوّت الكنيست مؤخراً على حل نفسه، أصبحت مكانة حكومته أكثر اهتزازاً من أي وقت مضى. فانقسام التحالف الحاكم، وضغوط المعارضة، وتراجع ثقة الجمهور، كلها عوامل وضعت رئيس الوزراء في موقف بالغ الصعوبة، دفعته مرةً أخرى إلى اللجوء إلى الوسائل الأمنية والعسكرية لتجاوز هذه المحنة.
يدرك نتنياهو جيداً أنه كلما ازدادت الضغوط السياسية الداخلية عليه، فإن إشعال الجبهات الخارجية يساهم في صرف الرأي العام الصهيوني عن أزماته المحلية، ويخلق نوعاً من التماسك السياسي والأمني حول حكومته.
لذا، فإن الحفاظ على التوتر على حدود لبنان واستمرار الصراع مع حزب الله لا يمثلان مجرد ملف عسكري بالنسبة له، بل أداة سياسية لإدارة الأزمة الداخلية وتمديد عمر حكومته. فبعد رفض بعض الوجوه المتشددة في الحكومة، مثل وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير، لوقف إطلاق النار في جبهة غزة، كان استمرار الحرب في لبنان أحد السبل التي يلجأ إليها نتنياهو لإرضائهم.
فشل مؤامرة نزع سلاح المقاومة عبر حكومة لبنان
أما التطورات الداخلية في لبنان، فهي أيضاً من العوامل التي تحفز هذا الكيان على مواصلة تأجيج الحرب وتحقيق أهدافه. في الأشهر الماضية، حاول نتنياهو عبر الضغوط السياسية والمفاوضات إجبار حكومة لبنان على قبول مطالب تل أبيب، لا سيما في موضوع نزع سلاح حزب الله، إلا أن هذا المشروع لم يحقق نتيجةً لا على طاولة المفاوضات ولا في الداخل اللبناني.
كما أن محاولات زيادة الضغط السياسي على حزب الله في بيروت وإحداث انقسامات داخلية في لبنان لم تثمر عن مكاسب ملموسة لحكومة نتنياهو، وهذا الفشل دفع تل أبيب مجدداً إلى خيار تصعيد الهجمات العسكرية، على أمل تحقيق ما عجزت عنه الدبلوماسية في ميدان القتال.
ويرى بعض المحللين أن هجمات "إسرائيل" ليست دليلاً على تفوق استراتيجي بقدر ما هي انعكاس لأزمة سياسية وأمنية تعصف بتل أبيب في ملف لبنان. في هذا السياق، أكد المحلل اللبناني علي حيدر في حديثه مع قناة الجزيرة: "السبب الحقيقي وراء تصعيد التوترات هو شعور إسرائيل بأنها مكبلة بالأغلال، إذ لا تستطيع مواجهة هجمات المقاومة التي تتصاعد يومياً، ولا يمكنها التراجع لأن ذلك سيكون هزيمةً استراتيجيةً كبرى، لذا تحاول على الأقل أن تحقق مكسباً على مستوى الصورة والمكانة".
القلق من اتفاق طهران – واشنطن
إلى جانب هذه القضايا، تلعب التطورات الإقليمية دوراً محورياً في تصعيد سلوك تل أبيب. فقد أثارت التقارير حول تقدم المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وتوصل الطرفين إلى تفاهمات أولية بشأن بعض القضايا الخلافية، قلقاً واضحاً في تل أبيب. إذ يخشى نتنياهو من أن أي اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن سيعزز من قوة محور المقاومة في المنطقة، ويؤدي إلى تثبيت وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية. وقد أعلنت إيران أن من شروطها الرئيسية للتفاهم وقف الحرب في كل الجبهات، وبخاصة لبنان، وفي هذا السياق تشير بعض الأنباء إلى توتر بين نتنياهو وترامب حول هذا الموضوع.
في هذه الأجواء، يسعى نتنياهو والتيارات المتشددة في حكومته إلى تعقيد مسار أي اتفاق إقليمي من خلال تصعيد التوتر في الجبهة الشمالية. ويُفهم إصراره المتكرر على أن "ملف لبنان لا علاقة له بالمفاوضات مع إيران" ضمن هذا الإطار. فتل أبيب تريد إرسال رسالة واضحة مفادها أنها ستتصرف في شأن لبنان بشكل مستقل عن أي تطورات دبلوماسية إقليمية ولن تتراجع عن مواقفها.
لبنان العقدة الخانقــة
رغم أن نتنياهو لا يزال يعتمد على القوة العسكرية لتحقيق أهدافه الاحتلالية في لبنان والمنطقة، إلا أن التطورات الأخيرة تبين أن استمرار هذه السياسة العدوانية لن يحقق نتائج مرضية للأراضي المحتلة.
في هذا الصدد، قال علي حيدر، المحلل اللبناني، عن التداعيات الأمنية لأعمال التصعيد التي تقوم بها تل أبيب: "هذه الهجمات توسع نطاق انتشار الجيش المحتل في جنوب لبنان، مما يسهل على المقاومة كشف مفاجآت جديدة. ومن ثم، قد تكشف المقاومة عن إنجازات جديدة في الميدان، فهي تعوّدنا على استخدام أوراقها التكتيكية تدريجياً خلال الحرب".
وأضاف حيدر: "من المفاجآت التي قد يكشف عنها حزب الله هو استعراض طائرات مسيرة بمدى يصل إلى 50 كيلومتراً، وهو أمر لم يتم الإعلان عنه سابقاً، إذ كان يستخدم طائرات مسيرة بمدى 30 كيلومتراً فقط".
ومن الجدير بالذكر أن حزب الله في الأسابيع الماضية، وبالاعتماد على طائرات مسيرة مزودة بألياف بصرية، تمكّن من تغيير معادلات ساحة المعركة مع الاحتلال. هذه الطائرات الصغيرة ذات التكلفة المنخفضة ألقت ضربات مؤثرة على القوات الصهيونية، إلى درجة أن الجنود الإسرائيليين يرون أن أفضل طريقة للنجاة من هجماتها هي التراجع وترك ساحة القتال.
وفي هذا السياق، اعترفت وسائل الإعلام العبرية مؤخراً بأن الجيش الإسرائيلي تراجع من بعض مناطق جنوب لبنان لتقليل الخسائر الناتجة عن هجمات الطائرات المسيرة لحزب الله. كما أقر مسؤولون ومحللون إسرائيليون بعدم امتلاكهم حالياً حلولاً فعالةً لمواجهة هذه الطائرات، مما أدى إلى تكبدهم خسائر وأضراراً كبيرةً في ميادين القتال.
