الوقت - مرّت ثمانية أشهر على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة حماس والاحتلال الإسرائيلي، لكن قطاع غزة لم يشهد بعد لون الهدوء. ذلك الاتفاق الذي كان من المفترض أن يكون خطوةً على طريق وقف الإبادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال، أصبح الآن سراباً للفلسطينيين، الذين يشهدون يومياً انتهاكات صارخة لبنوده من قِبل الجيش المحتل.
وفي وقتٍ يؤكد فيه الفاعلون الدوليون على ضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق لتحديد آلية إدارة غزة، طرحت فصائل المقاومة الفلسطينية مطالب وشروطاً واضحةً.
أعلنت الفصائل الفلسطينية في بيانها الأخير أن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال يمارس حربه ضد غزة عبر القتل والاغتيالات والمجازر الجماعية واستهداف قوات الشرطة، بالإضافة إلى الحصار والتجويع، معتبرةً هذه الأفعال انتهاكاً واضحاً لبنود وقف إطلاق النار.
وأكدت الفصائل أن الوسطاء قبل الشروع في أي مفاوضات جديدة حول مستقبل الاتفاق، يجب أن يُلزموا "إسرائيل" بتنفيذ كامل التزاماتها. وعلى الرغم من التزام الاحتلال في إطار الاتفاق بوقف العمليات العسكرية، فإن الوقائع الميدانية تشهد استمرار العنف.
تشير التقارير الصادرة خلال الأشهر الماضية إلى أن أكثر من 850 فلسطينياً فقدوا حياتهم في هجمات الاحتلال منذ بدء وقف إطلاق النار. هذه الإحصائية إلى جانب الهجمات المتفرقة اليومية، توضح أن وقف إطلاق النار في غزة لم يوقف الحرب بقدر ما غيّر من شكلها.
وفي تقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس يوم السبت، وبالاستناد إلى شهادات فلسطينية، ذُكر أن مصطلح «وقف إطلاق النار» بعيد جداً عن الواقع الحالي في غزة. وتصريحات أحد الجنود الإسرائيليين التي نشرت في ذات الوسيلة الإعلامية، وصفت الوضع بدقة قائلاً: «أن نسمّي ما يجري وقف إطلاق نار، هو مجرد مزحة».
ليس سلاماً، بل إدارة حرب بدرجة أقلّ من الشدة
في الوقت ذاته، كثّفت تل أبيب سيطرتها العسكرية على قطاع غزة، وتشير التقارير إلى أن بنيامين نتنياهو أصدر أمراً للجيش بتوسيع نطاق سيطرته ليشمل حوالي 70% من مساحة القطاع، وهو إجراء يرى فيه كثير من المحللين انتهاكاً مباشراً لاتفاق وقف إطلاق النار، وعلامةً واضحةً على استمرار سياسة الضغط العسكري على غزة.
هذه التطورات دفعت فصائل المقاومة الفلسطينية إلى الاعتقاد بأن ما يجري اليوم في غزة ليس سلاماً، بل هو نوع من «إدارة الحرب بشدة أقل»، حالة تتبع فيها "إسرائيل"، دون إعلان رسمي لاستئناف القتال، أهدافها العسكرية والسياسية خطوةً بخطوة.
ومن جهة أخرى، شهدت الأسابيع الأخيرة اغتيال عدة قادة ميدانيين ومسؤولين أمنيين فلسطينيين، من بينهم محمد عودة، أحد كبار قادة كتائب عز الدين القسام، في هجمات إسرائيلية.
وترى فصائل المقاومة أن استهداف القادة الميدانيين وعناصر الشرطة والمسؤولين عن الأمن الداخلي في غزة ليس مجرد عمل عسكري، بل هو جزء من مشروع أوسع يهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي في غزة، وإضعاف هيكل الإدارة المحلية، وتمهيد الطريق لفرض ترتيبات سياسية تلبّي رغبات تل أبيب.
في الوقت نفسه، الوضع الإنساني في غزة كارثي، ووفقاً لأحدث تقارير «برنامج الغذاء العالمي»، يعاني ما لا يقل عن 1.6 مليون نسمة، أي 77% من سكان القطاع، من انعدام أمني حاد في الغذاء. كما أعلنت الأمم المتحدة أن حوالي 1.8 مليون فلسطيني يعيشون في خيام وملاجئ مؤقتة جراء التدمير الواسع للمنازل.
سلبية مجلس السلام، التزامات لم تُنفَّذ
جزءٌ هام من انتقادات الفلسطينيين تجاه الوضع الراهن في غزة يتجه نحو «مجلس السلام» الذي أُنشئ في يناير 2026 بهدف مراقبة تنفيذ الاتفاق، وتنسيق عملية إعادة الإعمار، وتصميم آلية حكم انتقالي في غزة.
هذا المجلس، الذي تأسس بدعم أمريكي ويشارك فيه شخصيات بارزة مثل توني بلير في هيكله التنفيذي، كان من المفترض أن يكون الضامن لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن مرور عدة أشهر لم يشهد تنفيذ أي من التزاماته.
كان من المقرر أن تقوم الدول الأعضاء، من بينها الإمارات والسعودية، بإيداع عشرات المليارات من الدولارات في صندوق مجلس السلام ليُخصص للبناء وإدارة شؤون غزة، لكن مصادر مطلعة أكدت لـ«فاينانشال تايمز» أن هذا الصندوق، الذي كان من المفترض أن يكون تحت إشراف البنك الدولي، لم يتلقَّ أي أموال حتى الآن.
ونشرت صحيفة «الأخبار» مؤخراً تقريراً يفيد بأن نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، أخبر أعضاء اللجنة الإدارية أن الصندوق المالي المخصص لغزة قد فرغ تماماً. ووفقاً للتقرير، فإن مبلغ 17 مليار دولار التي جُمعت تم تحويلها بأمر مباشر من دونالد ترامب، خلال الحرب مع إيران، لصالح "إسرائيل" وإيداعها في حساب هذا الکيان.
وبالنظر إلى ضعف المجلس في تنفيذ التزاماته، برزت بين الفلسطينيين وحتى بين المراقبين الدوليين شكوك جادة حول كفاءته. ويصف تقرير مشترك صادر عن خمس منظمات إغاثية دولية، من بينها «أوكسفام» و«مجلس اللاجئين النرويجي»، نُشر في أبريل، أداء وقف إطلاق النار في غزة بأنه فشل خطير ومستمر.
وأشار التقرير إلى أن اتفاق غزة حقّق فقط 5 نقاط من أصل 26 مؤشر تقييم، مما يُظهر بوضوح الفجوة بين الالتزامات المعلنة والواقع التنفيذي. حتى نيكولاي ملادينوف أقرّ مؤخراً بأن وقف إطلاق النار «ليس كاملاً بأي حال»، وأن الانتهاكات الخطيرة تستمر يومياً تقريباً.
وفي تقرير أصدرته منظمة «هيومن رايتس ووتش» مؤخراً، أفادت أن "إسرائيل" تعمدت تقويض البنية التحتية الإنسانية لوقف إطلاق النار عبر تقييد دخول المساعدات واستمرار الهجمات. وفي الوقت نفسه، أكد مسؤول إسرائيلي في مقابلة مع وسائل إعلام عبرية رسمياً، أن تل أبيب لن تنسحب من محور فيلادلفيا خلافاً لبنود الاتفاق.
ربط المساعدات بنزع سلاح المقاومة
على الرغم من أن جزءاً كبيراً من التزامات المرحلة الأولى لم يُنفّذ على الأرض، يسعى أعضاء المجلس إلى المضي قدماً في المراحل التالية.
وقد تحوّل الاقتراح الجديد الذي طرحه نيكولاي ملادينوف لاستكمال المرحلة الثانية من الاتفاق إلى محور جديد للتوتر، إذ يربط هذا الاقتراح بين المساعدات المالية والوقود وإعادة الإعمار ونقل إدارة غزة إلى هيكل إداري جديد وبين مسألة نزع سلاح المقاومة، وهو ما أثار موجةً من ردود الفعل الإعلامية.
وفي تقرير لها، أشارت صحيفة «الغارديان» إلى أن تركيز مجلس السلام على ملف نزع سلاح حركة حماس، مقابل تجاهله لانتهاكات "إسرائيل"، أدى إلى تراجع كبير في ثقة الفلسطينيين بهذا المجلس.
وفي هذا السياق، صرّح حازم قاسم، المتحدث باسم حماس، مؤخراً بأن الإصرار على قضية نزع السلاح لا يتوافق فقط مع بنود اتفاق وقف إطلاق النار، بل هو أيضاً محاولة مكشوفة من قبل الاحتلال الإسرائيلي لتعقيد المرحلة الثانية من المفاوضات واستمرار الاحتلال.
فصائل المقاومة الفلسطينية وصفت اقتراح ملادينوف بأنه «ابتزاز سياسي وإنساني»، إذ ترى أن الاحتياجات الملحة لشعب غزة، من الغذاء والوقود إلى إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية، قد تحولت إلى أداة ضغط سياسي ومكسب أمني تُجبر المقاومة على التنازل عنه.
ورغم إخفاق مجلس السلام في تنفيذ التزاماته في المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، يحاول المجلس مواصلة مسار الحوار، حيث أعلن توني بلير، عضو الهيئة التنفيذية للمجلس، أن محادثات مع حماس ستبدأ في الأيام القادمة حول مستقبل إدارة غزة. وقال إن الهدف من هذه المفاوضات هو دراسة آلية نقل إدارة غزة إلى هيكل حكم جديد.
وفي هذا الإطار، حذّرت الفصائل الفلسطينية من أن خطة إدارة غزة تضع اللجنة التقنية في مواجهة الشعب، وهي تهديد لإشعال نزاع داخلي يخدم العدو ويشرعن جرائمه.
ومع ذلك، أكدت حركة حماس، على الرغم من عدم معارضتها لمبدأ الحوار حول مستقبل إدارة غزة، أن دخول المرحلة الثانية من الاتفاق مشروط بتنفيذ تل أبيب الكامل لالتزاماتها.
وفي هذا الصدد، شدّد باسم نعيم، أحد كبار قادة حماس السياسيين، في مواقفه الأخيرة على أن أي خطة لا تشمل وقفاً كاملاً للحرب، وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، وضمان دخول مستمر للمساعدات الإنسانية، وبدء إعادة إعمار حقيقية، لا يمكن أن تلبي مطالب الشعب الفلسطيني. وأكد أن حماس لن تقبل إلا باتفاق يؤدي إلى وقف إطلاق نار دائم، وليس اتفاقاً مؤقتاً يتيح لـ"إسرائيل" العودة إلى الحرب مجدداً.
تشير تطورات غزة إلى أن المقاومة الفلسطينية منذ البداية كانت تنظر بريبة إلى خيانة الاحتلال الإسرائيلي، وعدم فعالية الآليات الرقابية الدولية. ومن هذا المنظور، لا يمكن اعتبار موقف المقاومة الرافض لنزع السلاح مجرد موقف سياسي أو أيديولوجي، بل هو موقف متجذر في تجربة مريرة سابقة تُثبت، من وجهة نظر الفصائل، أن الاتفاق السياسي بلا ضمانات تنفيذية لا يستطيع أن يؤمن أمن شعب غزة.
لذلك، لا تزال المقاومة الفلسطينية ترفض تقديم تنازلات مثل نزع السلاح وفق شروط الاحتلال، إذ ترى أنه طالما استمر الاحتلال والحصار، فإن التخلي عن أدوات الردع يعني تسليم مصير غزة لوعود جوفاء تم انتهاكها مراراً.
وبالمجمل، وبعد ثمانية أشهر من إعلان وقف إطلاق النار، لا تزال غزة محاصرة بين واقعين متناقضين: «اتفاق على الورق وحرب في الميدان»، وحتى يتم وضع آلية حقيقية تُلزم الاحتلال بتنفيذ التزاماته، يبقى أفق الدخول في المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار غامضاً وهشاً.
