الوقت - في الحروب الحديثة، أصبحت «الطائرات المسيرة الانتحارية» أو ما يُعرف بـ«الذخائر المتجولة»، من أكثر الأدوات الحاسمة في ميادين القتال. تجمع هذه الأنظمة بين قدرة الطائرات المسيرة على الاستطلاع والتحليق، وقوة التدمير الصاروخية. وعلى عكس الطائرات المسيرة التقليدية التي تعود إلى قواعدها بعد تنفيذ المهام، تم تصميم الطائرات المسيرة الانتحارية لتصطدم مباشرةً بالهدف وتفني نفسها.
في العقد الأخير، برزت دول مثل إيران، والکيان الإسرائيلي، والولايات المتحدة، وروسيا كلاعبين رئيسيين في هذا المجال. ومع ذلك، من بين كل هذه الأنظمة، برزت طائرة مسيرة واحدة حظيت بشهرة عالمية واسعة؛ طائرة أصبحت رمزاً للجيل الجديد من الحروب بفضل سعرها المنخفض، وإنتاجها الضخم، وتأثيرها الاستراتيجي: الطائرة الإيرانية «شاهد-136».
لماذا أصبحت الطائرات المسيرة الانتحارية ذات أهمية متزايدة؟
اتجهت الجيوش الحديثة إلى الذخائر المتجولة وخاصةً الطائرات المسيرة لأسباب رئيسية عدة:
1- تكلفة إنتاج أقل بكثير مقارنةً بالصواريخ المجنحة.
2- القدرة على إغراق أنظمة الدفاع الجوي من خلال الهجمات الجماعية.
3- القدرة على تنفيذ هجمات دقيقة على مسافات بعيدة.
4- تقليل خسائر الطيارين.
5- إحداث ضغط نفسي مستمر على العدو. فقد أصبح صوت محرك «شاهد-136» في حرب أوكرانيا والصراعات الإقليمية رمزاً مرعباً. فالتواجد الدائم لهذه الطائرات في السماء يفرض ضغطاً نفسياً هائلاً على المدنيين وقوات الدفاع الجوي.
6- سهولة الإنتاج والصيانة والنقل. فببساطة تصميمها تتيح إنتاجها الصناعي على نطاق واسع.
وفي خضم هذه الأسباب، يتفوق عامل التكلفة على باقي المزايا، حيث أظهرت حرب أوكرانيا والصراعات في الشرق الأوسط، أن الإنتاج الضخم لطائرات مسيرة منخفضة التكلفة يمكن أن يُجبر العدو على إنفاق ملايين الدولارات لتعقب كل هدف.
شاهد-136: الطائرة المسيرة التي قلبت معادلات الحرب
يمكن اعتبار «شاهد-136» أكثر الطائرات المسيرة الانتحارية تأثيراً في العصر الحديث.
لقد تم تصميم هذه الطائرة المسيرة من قبل صناعة الفضاء الإيرانية، ودخلت الخدمة رسمياً في صفوف القوات القتالية عام 2021، إلا أن هناك تقارير عن استخدامها سابقاً في ساحات القتال، من بينها ادعاء استخدام قوات أنصار الله اليمنية لها في الهجوم على منشآت أرامكو السعودية عام 2019. لكن ما جذب اهتمام العالم إلى هذه التقنية الإيرانية الجديدة، كان الاستخدام المكثّف لها في حرب أوكرانيا والتطورات الإقليمية.
تصنّف طائرة «شاهد-136» ضمن فئة الطائرات المسيرة الانتحارية أو ما يُعرف بـ«القنابل الطائرة الصغيرة الموجهة». صُممت هذه الطائرة لمهاجمة الأهداف الأرضية بدقة عالية، وتمتاز بقدرتها على اختراق خطوط الدفاع المعقدة. ومن الخصائص الرئيسية لهذه الطائرة المسيرة مدى تشغيلي كبير يتجاوز 2000 كيلومتر، ودقة عالية في الاستهداف عبر نظام توجيه بصري نهائي مع نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، إضافةً إلى تصميمها الخفيف والبسيط الذي يُبقي تكلفة إنتاجها منخفضةً، وقدرتها على النقل بواسطة الطائرات الأم أو الإطلاق من الأرض.
لماذا أصبحت «شاهد-136» بهذه الأهمية؟
على عكس الذخائر المتجولة الغربية التي صُممت أساساً لهجمات دقيقة ومحدودة، قامت فلسفة تصميم «شاهد-136» على فكرة مختلفة:
«إنتاج رخيص + حرب استنزافية وإشباعية». لم تسعَ إيران إلى تصنيع طائرة مسيرة تضاهي تعقيد الصواريخ المجنحة الغربية، بل كان الهدف إنتاج نظام يمكن تشغيله بأعداد كبيرة وتكلفة منخفضة.
يُقدّر أن تكلفة كل طائرة «شاهد-136» تتراوح بين 20 إلى 50 ألف دولار، في حين أن اعتراضها قد يتطلب صواريخ تكلف مئات الآلاف أو حتى ملايين الدولارات. هذه المعادلة خلقت ما يسميه المحللون «عدم التوازن الاقتصادي في ميدان المعركة».
من جهة أخرى، يمكن إطلاق «شاهد-136» بكميات كبيرة وبشكل متزامن من منصات إطلاق على شاحنات. وتعتمد العقيدة العملياتية الإيرانية على إطلاق أعداد كبيرة من الطائرات المسيرة بشكل متزامن لإغراق الرادارات وأنظمة الاعتراض. وهذه التكتيكات تضغط حتى على أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة.
لذلك، يعتبر كثير من الخبراء العسكريين «شاهد-136» سلاحاً استنزافياً؛ سلاحاً يهدف بالدرجة الأولى إلى استنزاف مخزونات دفاع العدو تدريجياً. كما أن المدى المعلن لـ«شاهد-136» يصل إلى حوالي 2500 كيلومتر، مما يتيح لها استهداف البنى التحتية الاستراتيجية في أعماق أراضي العدو، ويمنح منصات الإطلاق القدرة على البقاء بعيداً عن خط المواجهة المباشر.
أهمّ الطائرات المسيرة العالمية في فئة «شاهد-136»
عند المقارنة مع الأنظمة المماثلة، تُعد الطائرات الأمريكية «سويتشبليد 300» و«سويتشبليد 600» في الأساس مصممةً لدعم القوات البرية تكتيكياً.
تتميز «سويتشبليد» بتقنيات أكثر تطوراً، لكن «شاهد-136» أحدثت تأثيراً استراتيجياً أعمق في ميادين القتال، ذلك لأنها بُنيت على مبدأ «العدد الكبير والتكلفة المنخفضة».
لمعالجة هذه الفجوة، لجأ الأمريكيون إلى الهندسة العكسية لطائرة «شاهد-136» وأثمر ذلك عن إنتاج طائرة مسيرة تحت العلامة التجارية «FLM 136» من شركة «سبكتر وركس» الأمريكية. تحمل هذه الطائرة رأساً حربياً يزن 18 كيلوغراماً، وتتمتع بمدى تشغيلي يقارب 700 كيلومتر، ومدة طيران تصل إلى 6 ساعات.
أما طائرة «هاروب» الإسرائيلية التي تنتجها صناعة الفضاء الإسرائيلية، فتُعتبر من أوائل نماذج الطائرات الانتحارية الحديثة الناجحة، لكنها صُممت أساساً لتدمير الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي.
ومع ذلك، فإن تكلفة «هاروب» أعلى بكثير من «شاهد-136». ويرى العديد من المحللين أن إيران اختارت مساراً مختلفاً في تصميم «شاهد»: «التفوق الكمي على التعقيد التكنولوجي».
كما كانت روسيا من أوائل الدول التي أبدت اهتماماً بطائرة «شاهد-136» وتوجهت نحو تصنيع نسخة محلية منها. وكانت طائرات «جرين 2» و«لانست» نتاج هذا الجهد، وقد اشتهرت في حرب أوكرانيا باستهدافها المدفعية، والمركبات المدرعة، وأنظمة الرادار.
تُعدّ «جرين-2» نسخةً روسيةً مشابهةً لـ«شاهد» مع تعديلات في نظام الملاحة، بإمكانية تركيب شريحة اتصال، وهيكل مركب، ورأس حربي جديد، بالإضافة إلى تطوير أجهزة الاستشعار الإلكترونية والبصرية (التصوير البصري والحراري). أما طائرة «لانست» الروسية فلها مدى أقلّ من «شاهد-136» وتستخدم رأس حربي أصغر، وهي مصممة أكثر للحرب في الخطوط الأمامية، بينما تتولى «شاهد-136» مهاماً استراتيجيةً وهجمات استنزافية بعيدة المدى.
لماذا تُعتبر «شاهد-136» تحولاً استراتيجياً؟
يرى كثير من المحللين أن «شاهد-136» غيّرت الفكر العسكري أكثر من الأنظمة الغربية الأكثر تعقيداً. فظهور أنظمة مثل «شاهد-136» يؤكد أن الحروب القادمة ستدور حول الطائرات المسيرة أكثر من أي وقت مضى، لأن الطائرات المسيرة الرخيصة قادرة على تهديد الجيوش المتقدمة، ويمكن لعددها الكبير أن يتفوق على التعقيد التكنولوجي. والأهم من ذلك أن اقتصاديات الحرب تكتسب أهميةً توازي التكنولوجيا. وهذا بالضبط هو المنطق الذي جعل «شاهد-136» واحدةً من أهم وأبرز الطائرات المسيرة في العصر الحديث.
لهذا السبب، تسعى بعض الدول الغربية حالياً إلى تطوير طائرات مسيرة رخيصة ومنتجة بكميات كبيرة، مستلهمةً هذا النموذج ذاته.
