الوقت - في حين أن قلعة “سلاح حزب الله” في لبنان ظلت صامدةً ومغلقةً أمام كل الضغوط الأمريكية والصهيونية، فإن الوضع في جانب آخر من جغرافيا المقاومة يتخذ مساراً مختلفاً، حيث أصبح حصن “سلاح المقاومة العراقية” قابلاً للاختراق ليس عبر هجمات خارجية، بل من خلال حصان طروادة للصراعات الداخلية.
بعد بيان مقتدى الصدر حول حلّ مجموعة “سرايا السلام” وتسليم أسلحتها للحكومة، ودعوته الجماعات الأخرى في الحشد الشعبي للانضمام إلى هذا المسار، شهدت الأيام الأخيرة ردود فعل متباينة من تلك الفصائل.
ففي حين أعلنت ثلاث مجموعات رسمياً، وهي “سرايا السلام، عصائب أهل الحق، وكتائب الإمام علي(ع)”، موافقتها على تسليم أسلحتها ودمجها في المؤسسات الحكومية، أعلنت ست فصائل تابعة لتيار المقاومة، من بينها “كتائب حزب الله العراق، كتائب سيد الشهداء(ع)، حركة النجباء، سرايا أولياء الدم، أصحاب الكهف، وكتائب كربلاء”، رفضها تسليم أسلحتها.
هذه الردود المتباينة والمزدوجة دفعت بعض المراقبين السياسيين والمحللين إلى اعتبارها مؤشراً على بروز مرحلة جديدة من الخلافات والانقسامات الداخلية في المشهد السياسي الشيعي العراقي، خصوصاً بين التيارات التي تعرف هويتها السياسية-الإيديولوجية ضمن خطاب المقاومة.
ورغم أن وجود مثل هذه التنافسات على تحصيل موقع أقوى في الهيكل السياسي (الحكومة والبرلمان) أمر لا يمكن إنكاره، إلا أنه من الضروري كذلك عدم إغفال أن الروابط الخطابية والعقائدية بين هذه الفصائل مع المبادئ الأساسية لتسليح المقاومة تظل متينةً للغاية، وأن تسليم السلاح لا يعني بالضرورة التخلي عن هذه الأهداف أو الخضوع للمشروع الأمريكي في العراق.
استدلال قادة المقاومة
حالياً، جميع فصائل المقاومة تقبل مبدأ احتكار السلاح بيد الدولة، لكن بالنظر إلى الظروف الأمنية في العراق والتطورات الإقليمية، ولا سيما الأحداث التي شهدتها الأشهر الأخيرة، يرون أن تنفيذ هذا الإجراء في المرحلة الراهنة لن يصب في مصلحة البلاد ولا في استقرارها الأمني.
وقد أوضح قادة المقاومة سبب معارضتهم لتسليم السلاح للدولة بشكل صريح. فقد أعلن أبو مجاهد عساف، مسؤول الأمن في “كتائب حزب الله”، أنه طالما استمر الاحتلال الخارجي لأرض العراق وجوّه، فلن تسلّم مجموعته أسلحتها. وأكد عساف أن هذه الفصائل ستظل متحدةً وستواصل عملها حتى تحرير الأرض.
كما أكد الشيخ كاظم الفرطوسي، المتحدث باسم كتائب سيد الشهداء، أن فصائل المقاومة لن تسلم أسلحتها أبداً، واعتبر تدمير الإنجازات العسكرية مقابل الحصول على مناصب حكومية خيانةً للوطن. وجاءت هذه التصريحات في ظل إعلان أمريكا أنها ستستخدم حق الفيتو لمنع مشاركة فصائل المقاومة في ترتيبات الحكومة العراقية.
من جهته، شدّد ناظم السعيدي، رئيس المجلس التنفيذي لحركة النجباء، على أن “أي نقاش حول السلاح يجب أن يكون شاملاً وعادلاً ومبنيًا على معايير موحدة.” وأضاف السعيدي أن الشيعة في العراق كانوا دائماً هدفاً لمشاريع عدائية، قائلاً: “اليوم تستهدف فصائل المقاومة، وبعدها ستتجه الأهداف إلى قوات الحشد الشعبي، ثم إلى الجيش نفسه، لكي لا يبقى هناك أي قدرة أو إمكانية للدفاع عن العراق.”
الحشد الشعبي: ركيزة لا تُزعزع في الهيكل العسكري والأمني
تُظهر مواقف قادة فصائل المقاومة في العراق توافقاً تاماً على الرفض القاطع للمشروع الأمريكي-الصهيوني، الذي يهدف إلى إضعاف الحشد الشعبي. فهذه التيارات تؤمن بالإجماع أن الحشد الشعبي هو مؤسسة رسمية وقانونية ضمن هيكل القوات المسلحة العراقية، تعمل تحت قيادة رئيس الوزراء، وقد أصبح جزءاً لا يتجزأ من منظومة الدفاع الوطني.
لقد لعب هذا الكيان العسكري دوراً محورياً في أمن العراق خلال السنوات الماضية، حيث نفّذ عشرات العمليات ضد العناصر الإرهابية، ليصبح أحد الأعمدة الصلبة للحفاظ على الاستقرار والأمن. كما كان للحشد الشعبي حضور فاعل وملموس في تأمين المناطق المختلفة من البلاد، وتقديم الخدمات الأمنية للزوار خلال مراسم أربعينية الإمام الحسين(عليه السلام).
مواجهة الاحتلال الأمريكي
ويظل الحفاظ على الالتزام بالمقاومة حتى انتهاء كامل الوجود العسكري الأمريكي الاحتلالي في العراق، من الثوابت التي لا تقبل المساس لدى جميع فصائل المقاومة.
وفي هذا السياق، أوضح ناظم السعيدي أن سبب رفض فصائل المقاومة تسليم السلاح يعود إلى استمرار النفوذ الأمريكي، مؤكداً أنه طالما لم تُفرض سيادة العراق الكاملة على قراراته وبيئته، سيظل سلاح المقاومة عاملاً رادعاً وضامناً لأمن البلاد.
وترتكز رؤية فصائل المقاومة على أن المقاومة تظل حقاً مشروعاً ومسؤولية وطنية ودينية ما دامت الوجود العسكري الأمريكي مستمراً. لذلك، لا يمكن لمشروع احتكار السلاح أن يهيئ الأرضية للقضاء على المقاومة أو لإعادة الولايات المتحدة إلى دورها السابق في العراق تحت غطاء حلف الناتو.
ويجدر بالذكر أن أحد كبار قادة الناتو قد أشار مؤخراً إلى احتمال توسيع مهمة الحلف في العراق، بينما شدّد المتحدث باسم الحكومة العراقية يوم السبت على أن مهمة التحالف الدولي ستنتهي في سبتمبر، وأنه يجب على كافة العسكريين الأجانب مغادرة البلاد.
المقاومة العراقية امتداد للمقاومة في المنطقة
تمارس واشنطن ضغوطاً اقتصاديةً مستمرةً على حكومات العراق، تشمل التهديد بقطع وصول البلاد إلى عائدات النفط وفرض عقوبات مالية ومصرفية، بهدف تقليص دور فصائل المقاومة، وفي نهاية المطاف عزل العراق عن محور المقاومة وإيران، لتتمكن من تنفيذ سياساتها الإقليمية بحرية أكبر.
ومع ذلك، فإن فصائل المقاومة العراقية تظل ملتزمةً بأداء مسؤولياتها، ولا تنوي في ظل التطورات الإقليمية الحالية التنازل عن مبادئها وقناعاتها مقابل اعتبارات سياسية قصيرة الأمد، كالتخفيف من الضغوط الخارجية أو الحصول على مكاسب مؤقتة.
بشكل عام، قضية نزع سلاح فصائل المقاومة ليست مسألةً بسيطةً، بل ترتبط ارتباطاً مباشراً بتوازن القوى داخل العراق، ومدى استقلالية القرار السياسي، ومستقبل الهيكل الأمني في البلاد. ومع استمرار التوترات الإقليمية ووجود الفاعلين الأجانب، يؤكد المراقبون أن أي قرار في هذا الشأن يجب أن يُتخذ ضمن حوار شامل يضمّ كافة التيارات السياسية مع مراعاة الواقع الميداني.
لذا، طالما بقيت القوات الأمريكية على أرض العراق، والكيان الصهيوني يسعى إلى تنفيذ مخططاته التوسعية في المنطقة، فإن الهدف الخفي وراء مشروع احتكار السلاح، المتمثل في تفكيك وتحويل المقاومة العراقية، لن يحقق النتائج المرجوة من قبل واشنطن.
