الوقت- في تقرير جديد أثار ردود فعل واسعة على المستويين الحقوقي والسياسي، اتهمت منظمة العفو الدولية الكيان الإسرائيلي بتنفيذ ما وصفته بـ"حملة تطهير عرقي" تستهدف التجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، معتبرة أن هذه السياسة تأتي ضمن مسار متسارع يهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية وتسريع عمليات الضم الفعلي لمناطق واسعة من الضفة الغربية.
ويأتي التقرير في ظل تصاعد غير مسبوق للتوتر في الأراضي الفلسطينية المحتلة، واستمرار الحرب على قطاع غزة، وتزايد المخاوف الدولية من أن تؤدي السياسات الإسرائيلية الحالية إلى تغييرات ديموغرافية وجغرافية دائمة قد تقوض فرص الوصول إلى أي تسوية سياسية مستقبلية.
اتهامات مباشرة للسلطات الإسرائيلية
بحسب منظمة العفو الدولية، فإن ما يجري في الضفة الغربية لا يقتصر على حوادث متفرقة من عنف المستوطنين أو نزاعات محلية على الأراضي، بل يمثل سياسة ممنهجة ومدعومة من مؤسسات الدولة الإسرائيلية تستهدف دفع الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم قسراً، وخاصة التجمعات البدوية والرعوية المنتشرة في المنطقة المصنفة "ج" وفق اتفاقيات أوسلو.
وأكد التقرير أن السلطات الإسرائيلية تعمل على تسريع عمليات الضم من خلال توسيع المستوطنات وتوفير الحماية والدعم للمستوطنين، بالتوازي مع فرض ظروف معيشية وأمنية صعبة على السكان الفلسطينيين تدفعهم إلى الرحيل عن أراضيهم.
وترى المنظمة أن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، خاصة أن الضفة الغربية لا تزال تُعد أرضاً محتلة وفق قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي.
التجمعات البدوية في قلب الأزمة
ركز التقرير بشكل خاص على أوضاع التجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية التي تعيش في مناطق واسعة من الأغوار والمرتفعات الشرقية للضفة الغربية.
وتتميز هذه التجمعات بطابعها الريفي واعتماد سكانها على الرعي والزراعة كمصدر رئيسي للعيش، إلا أنها تواجه منذ سنوات ضغوطاً متزايدة نتيجة التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي والقيود المفروضة على البناء والتنقل.
وأشار التقرير إلى أن عشرات التجمعات الفلسطينية تعرضت للتهجير القسري أو أصبحت مهددة بالإخلاء خلال السنوات الأخيرة، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في هذه العمليات منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023.
ويرى مراقبون أن استهداف هذه التجمعات يحمل أبعاداً استراتيجية، نظراً لوقوعها في مناطق تعتبرها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ذات أهمية أمنية وجغرافية كبيرة، خصوصاً في الأغوار الفلسطينية.
حكومة نتنياهو والاستيطان
وحمّل التقرير حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مسؤولية مباشرة عن تسريع وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية، معتبراً أن الحكومة الحالية، التي توصف بأنها الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، جعلت من توسيع المستوطنات وفرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة هدفاً سياسياً معلناً.
ومنذ تشكيلها، منحت الحكومة الإسرائيلية الضوء الأخضر لإقامة وتوسيع عشرات المشاريع الاستيطانية، في وقت يواصل فيه مسؤولون بارزون داخل الائتلاف الحاكم الدعوة بشكل صريح إلى ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية.
ويعتبر الفلسطينيون أن هذه السياسات تهدف إلى خلق وقائع جديدة على الأرض تجعل إقامة دولة فلسطينية مستقلة أمراً أكثر صعوبة، بينما تؤكد إسرائيل أن النشاط الاستيطاني يرتبط باعتبارات أمنية وتاريخية.
عنف المستوطنين.. اتهامات متزايدة
واحدة من أبرز النقاط التي تناولها التقرير تتعلق بتصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.
فوفقاً لمنظمات حقوقية دولية ومحلية، شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في الهجمات التي ينفذها مستوطنون ضد القرى والتجمعات الفلسطينية، بما في ذلك إحراق ممتلكات ومنازل ومركبات، والاعتداء على المزارعين والرعاة، إضافة إلى وقوع قتلى وجرحى في بعض الحوادث.
وترفض منظمة العفو الدولية الرواية الإسرائيلية التي تصف هذه الاعتداءات بأنها أعمال فردية أو تصرفات تقوم بها مجموعات متطرفة خارجة عن القانون، معتبرة أن المناخ السياسي السائد والدعم المقدم للمستوطنات يشكلان بيئة تسمح باستمرار هذه الانتهاكات.
كما أشارت تقارير أممية إلى ارتفاع معدل حوادث العنف في الضفة الغربية خلال العامين الأخيرين بصورة لافتة، الأمر الذي أثار انتقادات دولية متزايدة.
ردود فعل دولية متصاعدة
التقرير الحقوقي الجديد يأتي في وقت تشهد فيه مواقف عدد من الدول الغربية تحولاً ملحوظاً تجاه ملف الاستيطان في الضفة الغربية.
فخلال الأشهر الماضية، اتخذت عدة دول أوروبية وأمريكية إجراءات ضد أفراد ومجموعات مرتبطة بأعمال عنف المستوطنين، كما صدرت مواقف رسمية تدين التوسع الاستيطاني وتعتبره عقبة أمام السلام.
وفي تطور لافت، أعلنت فرنسا وعدد من الدول الغربية اتخاذ خطوات عقابية بحق شخصيات إسرائيلية متهمة بدعم سياسات الاستيطان أو التحريض على ضم الأراضي الفلسطينية، في مؤشر على تنامي القلق الدولي من المسار الذي تتجه إليه الأوضاع في الضفة الغربية.
ويرى محللون أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى زيادة العزلة الدولية التي يواجهها الكيان الإسرائيلي، خاصة في ظل الانتقادات المتزايدة المرتبطة بالحرب في غزة والانتهاكات المزعومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
البعد القانوني للصراع
من الناحية القانونية، تؤكد غالبية المؤسسات الدولية أن المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 غير شرعية بموجب اتفاقيات جنيف وقرارات الأمم المتحدة.
كما تعتبر العديد من المنظمات الحقوقية أن عمليات التهجير القسري للسكان الواقعين تحت الاحتلال تمثل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي وقد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية إذا ثبت أنها تتم بشكل ممنهج وواسع النطاق.
وفي هذا السياق، شددت منظمة العفو الدولية على أن التهجير القسري الذي تتعرض له التجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية لا يمكن تبريره بالاعتبارات الأمنية أو التنظيمية التي تطرحها السلطات الإسرائيلية، معتبرة أن الهدف الأساسي يتمثل في إفراغ مناطق معينة من سكانها الأصليين لصالح التوسع الاستيطاني.
مستقبل الضفة الغربية
تثير هذه التطورات تساؤلات متزايدة حول مستقبل الضفة الغربية وإمكانية الحفاظ على حل الدولتين الذي لا يزال يحظى بدعم دولي واسع رغم تراجع فرص تنفيذه عملياً.
فمع استمرار بناء المستوطنات وتوسعها، وتزايد عمليات مصادرة الأراضي والتهجير، يحذر خبراء من أن الضفة الغربية قد تشهد خلال السنوات المقبلة تغيرات ديموغرافية وجغرافية عميقة يصعب التراجع عنها.
كما أن استمرار التوتر بين الفلسطينيين والمستوطنين، إلى جانب غياب أي أفق سياسي واضح، ينذر بمزيد من التصعيد الأمني والعنف في المنطقة.
أزمة تتجاوز حدود الضفة
لا تنفصل التطورات الجارية في الضفة الغربية عن المشهد الإقليمي الأوسع، إذ تتزامن مع استمرار الحرب في قطاع غزة والتوترات المتصاعدة على الجبهات الأخرى في المنطقة.
ويرى مراقبون أن الضغوط التي يتعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية، إلى جانب الأوضاع الإنسانية الصعبة في غزة، تعكس مرحلة جديدة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تتسم بارتفاع مستوى المواجهة وتراجع فرص الحلول السياسية.
وفي ظل هذه المعطيات، يكتسب تقرير منظمة العفو الدولية أهمية خاصة باعتباره يسلط الضوء على ملف قد لا يحظى بالاهتمام الإعلامي نفسه الذي تحظى به الحرب في غزة، لكنه يشكل أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على مستقبل القضية الفلسطينية.
وبينما يرفض الكيان الإسرائيلي عادة مثل هذه الاتهامات وتؤكد أنها تتحرك وفق مقتضيات الأمن والقانون، تستمر المنظمات الحقوقية الدولية في التحذير من أن السياسات الحالية للكيان الإسرائيلي في الضفة الغربية قد تؤدي إلى تداعيات إنسانية وسياسية خطيرة، وتزيد من تعقيد الصراع الذي يبدو أبعد من أي وقت مضى عن حلول دائمة وعادلة.
