الوقت- يواصل الكيان الإسرائيلي خوض مواجهات متزامنة على أكثر من جبهة، وفي الوقت نفسه تتصاعد في الداخل مؤشرات أزمة عميقة تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية لتصل إلى قلب المؤسسة الأمنية والعسكرية.
فبعد أشهر طويلة من الحروب المتواصلة في غزة وجنوب لبنان والتوترات الإقليمية المتصاعدة، بدأت أصوات بارزة داخل المؤسسة السياسية والعسكرية تدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل الجيش الإسرائيلي وقدرته على مواصلة القتال في ظل تزايد الضغوط البشرية والاقتصادية والاجتماعية.
هذه التحذيرات لم تعد تقتصر على مراكز الأبحاث أو وسائل الإعلام، بل باتت تصدر من شخصيات سياسية وعسكرية رفيعة المستوى، الأمر الذي يعكس حجم التحديات التي تواجهها دولة الاحتلال في مرحلة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية منذ عقود.
حرب متعددة الجبهات واستنزاف متواصل
منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، وجد الكيان الإسرائيلي نفسه أمام واقع أمني معقد لم يشهده منذ سنوات طويلة. فإلى جانب العمليات العسكرية المستمرة في القطاع، انخرط الجيش في مواجهات مفتوحة مع حزب الله على الحدود اللبنانية، بالتزامن مع تصاعد التوترات الأمنية في الضفة الغربية المحتلة، واستمرار الضربات العسكرية في الساحة السورية، فضلاً عن تداعيات المواجهة المباشرة وغير المباشرة مع إيران.
هذا التوسع في ساحات الاشتباك أدى إلى استنزاف غير مسبوق للقدرات العسكرية، خصوصاً في صفوف قوات الاحتياط التي تشكل العمود الفقري للجيش الإسرائيلي في أوقات الحروب الكبرى.
وتشير تقديرات عسكرية إسرائيلية إلى أن استمرار العمليات على هذا النحو لفترة طويلة يفرض أعباء ضخمة على الجيش وعلى الاقتصاد الإسرائيلي، ويؤثر بصورة مباشرة على جاهزية القوات واستعدادها لمواجهة أي تطورات مفاجئة في المنطقة.
خلافات متصاعدة بين الجيش والحكومة
الأخطر من التحديات العسكرية هو اتساع الهوة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية.
ففي الأشهر الأخيرة برزت إلى العلن خلافات متزايدة بين قادة الجيش وأعضاء الحكومة بشأن إدارة الحرب وأهدافها وآليات استمرارها. وأثارت تسريبات من اجتماعات المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية جدلاً واسعاً بعدما كشفت عن تحذيرات شديدة اللهجة أطلقها كبار المسؤولين العسكريين بشأن النقص المتزايد في القوى البشرية.
وتشير هذه التحذيرات إلى أن الجيش يواجه تحديات حقيقية في الحفاظ على مستوى الجاهزية القتالية المطلوب في ظل تعدد الجبهات واستمرار الاستدعاء المكثف لقوات الاحتياط لفترات طويلة.
ويرى مراقبون أن الخلاف لم يعد يتعلق فقط بالاعتبارات العسكرية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالصراع السياسي الداخلي، حيث يتهم قادة عسكريون الحكومة باتخاذ قرارات تخدم اعتبارات ائتلافية وحزبية أكثر من خدمتها للاحتياجات الأمنية الفعلية.
أزمة الحريديم.. القنبلة السياسية المؤجلة
تمثل قضية تجنيد اليهود المتدينين المتشددين، المعروفين باسم "الحريديم"، واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل الكيان الإسرائيلي.
فعلى مدار عقود تمتعت أعداد كبيرة من الحريديم بإعفاءات من الخدمة العسكرية، وهو ما كان يثير اعتراضات متكررة من قطاعات واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي. لكن مع اندلاع الحرب الأخيرة وارتفاع الحاجة إلى المزيد من الجنود، تحولت القضية إلى أزمة سياسية وأمنية من الدرجة الأولى.
وتطالب المؤسسة العسكرية بزيادة أعداد المجندين لتعويض النقص المتزايد في القوى البشرية، في حين ترفض الأحزاب الدينية المشاركة في الائتلاف الحكومي المساس بالإعفاءات التقليدية التي يتمتع بها أتباعها.
هذا الصدام وضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فإرضاء المؤسسة العسكرية قد يؤدي إلى انهيار ائتلافه الحكومي، بينما يؤدي الاستمرار في سياسة الإعفاءات إلى زيادة الانتقادات الموجهة لحكومته من قبل الجيش والمعارضة والرأي العام.
المعارضة تهاجم نتنياهو
في ظل هذه التطورات، صعدت قوى المعارضة من هجماتها ضد الحكومة.
واتهم زعيم المعارضة يائير لابيد حكومة نتنياهو بدفع الجيش نحو حالة من الاستنزاف الخطير، محذراً من أن السياسات الحالية قد تقود إلى "كارثة أمنية جديدة". كما اعتبر أن غياب رؤية واضحة لإنهاء الحرب أو تحديد أهداف استراتيجية قابلة للتحقيق يضع المؤسسة العسكرية أمام تحديات متزايدة.
من جانبه، وجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت انتقادات حادة للحكومة، معتبراً أن إدارة الحرب كشفت عن إخفاقات كبيرة على المستويين السياسي والعسكري، وأن استمرار الخلافات الداخلية ينعكس سلباً على قدرة الدولة على مواجهة التحديات الأمنية.
أما الجنرال السابق يائير غولان فذهب أبعد من ذلك عندما اتهم الحكومة بالتخلي عن الاعتبارات الأمنية لصالح الحسابات السياسية، مؤكداً أن استمرار هذا النهج يهدد الأمن القومي الإسرائيلي على المدى البعيد.
أزمة ثقة داخل المجتمع الإسرائيلي
لا تقتصر الأزمة على النخبة السياسية والعسكرية فقط، بل تمتد إلى المجتمع الإسرائيلي نفسه.
فالحرب الطويلة وما رافقها من خسائر بشرية ومادية أحدثت تغيرات واضحة في المزاج العام. وتشير استطلاعات الرأي المتعاقبة إلى تراجع الثقة بالحكومة وبقدرتها على إدارة الملفات الأمنية، في مقابل ارتفاع مستويات القلق بشأن المستقبل.
كما بدأت تظهر مؤشرات على تراجع الحماسة لدى بعض فئات قوات الاحتياط التي تحملت أعباء متواصلة منذ أشهر طويلة، الأمر الذي يثير مخاوف المؤسسة العسكرية من تأثير ذلك على القدرة التعبوية للجيش في حال اندلاع مواجهات أوسع.
ويحذر خبراء إسرائيليون من أن استمرار الحرب دون أفق سياسي أو استراتيجي واضح قد يؤدي إلى تفاقم الانقسامات الداخلية بصورة غير مسبوقة.
الاقتصاد يدفع ثمن الحرب
إلى جانب التحديات الأمنية، يواجه الكيان الإسرائيلي ضغوطاً اقتصادية متزايدة نتيجة الإنفاق العسكري الضخم وتراجع بعض القطاعات الاقتصادية الحيوية.
فاستدعاء مئات الآلاف من جنود الاحتياط لفترات طويلة أثر على سوق العمل والإنتاج، كما أدت الأوضاع الأمنية غير المستقرة إلى تراجع الاستثمارات في بعض القطاعات.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن تكاليف الحرب المستمرة باتت تشكل عبئاً متزايداً على الموازنة العامة، ما يفتح الباب أمام نقاشات داخلية حادة حول أولويات الإنفاق الحكومي في المرحلة المقبلة.
هل يقترب نتنياهو من مأزق سياسي؟
يرى العديد من المحللين أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يواجه واحدة من أصعب المراحل السياسية في مسيرته.
فمن جهة، يتعرض لضغوط متزايدة من المؤسسة العسكرية التي تطالب بحلول عاجلة لأزمة القوى البشرية. ومن جهة أخرى، يعتمد بقاؤه السياسي على أحزاب دينية ترفض أي تغيير جوهري في ملف تجنيد الحريديم.
كما أن استمرار الحرب دون تحقيق نتائج حاسمة يزيد من حدة الانتقادات الموجهة إليه، سواء من المعارضة أو من داخل بعض الأوساط الأمنية والسياسية التي بدأت تشكك في جدوى الاستراتيجية الحالية.
ويعتقد مراقبون أن أي تطور ميداني سلبي أو أزمة سياسية جديدة قد يدفع المشهد الداخلي نحو مزيد من الاضطراب، خصوصاً في ظل الانقسامات الحادة التي تشهدها الساحة الإسرائيلية.
أزمة بنيوية تتجاوز الحرب الحالية
يرى عدد من الباحثين أن ما يشهده الكيان الإسرائيلي اليوم لا يمثل مجرد خلاف عابر حول إدارة الحرب، بل يكشف عن أزمة بنيوية أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية، وبالتوازنات الاجتماعية والديموغرافية داخل المجتمع الإسرائيلي.
فالحرب كشفت هشاشة التوافقات الداخلية التي حكمت النظام السياسي لسنوات طويلة، وأعادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول توزيع الأعباء العسكرية والاقتصادية بين مختلف مكونات المجتمع.
ومع استمرار التحديات الأمنية والإقليمية، تبدو هذه الأسئلة مرشحة لمزيد من التصاعد خلال الفترة المقبلة.
نحو مرحلة أكثر تعقيداً
في المحصلة، يجد الكيان الإسرائيلي نفسه أمام مفترق طرق تاريخي. فبينما تستمر المواجهات العسكرية على أكثر من جبهة، تتفاقم الانقسامات السياسية والاجتماعية والعسكرية في الداخل بصورة غير مسبوقة.
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن الأزمة لم تعد تقتصر على إدارة حرب أو مواجهة أمنية، بل باتت تمس أسس التماسك الداخلي وقدرة مؤسسات الدولة على العمل بصورة منسجمة وفعالة.
وفي ظل غياب توافق سياسي واضح، واستمرار الجدل حول مستقبل الحرب وقضية التجنيد وأولويات الأمن القومي، تبدو دولة الاحتلال مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية قد تعيد رسم المشهد السياسي والعسكري الإسرائيلي لسنوات طويلة قادمة، وتطرح تساؤلات جدية حول قدرة الكيان على احتواء أزماته الداخلية المتراكمة في خضم بيئة إقليمية تزداد اضطراباً وتعقيداً يوماً بعد يوم.
