الوقت- تشهد الضفة الغربية المحتلة تصعيدًا غير مسبوق في وتيرة التوسع الاستيطاني، في ظل سياسات تتبناها الحكومة الحالية في الكيان الإسرائيلي، وسط تحذيرات متزايدة من أن ما يجري يتجاوز مجرد بناء مستوطنات جديدة، ليصل إلى مرحلة إعادة رسم الخريطة الجغرافية والسياسية للضفة الغربية بما يحدّ من فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة في المستقبل.
وتكشف معطيات وتقارير إسرائيلية حديثة أن الحكومة تمضي بخطوات متسارعة نحو تكريس واقع جديد على الأرض، عبر إنشاء مستوطنات إضافية، وتقنين عشرات البؤر الاستيطانية، وربطها بشبكات طرق وبنية تحتية متطورة، بما يؤدي إلى توسيع الامتداد الاستيطاني وتفتيت التواصل الجغرافي بين المدن والبلدات الفلسطينية.
استراتيجية تقوم على تغيير الواقع الميداني
يُعد وزير المالية في الكيان الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، أحد أبرز مهندسي المشروع الاستيطاني الحالي، إذ يؤكد في أكثر من مناسبة أن الهدف لا يقتصر على زيادة عدد المستوطنين، وإنما يتمثل في خلق واقع جغرافي جديد يمنع أي إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
وبحسب تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، يرى سموتريتش أن المزارع الاستيطانية أصبحت عنصرًا رئيسيًا في المشروع الاستيطاني، بعدما تحولت من تجمعات صغيرة إلى أدوات لربط المستوطنات ببعضها البعض، بما يحقق امتدادًا إقليميًا متواصلًا للمستوطنين داخل الضفة الغربية.
وتشير تصريحاته إلى أن الحكومة الحالية تسعى إلى قلب المعادلة الجغرافية التي كانت تمنح الفلسطينيين امتدادًا متصلًا، مقابل وجود مستوطنات متفرقة، وذلك من خلال إقامة شبكة مترابطة من المستوطنات والمزارع الاستيطانية على امتداد الضفة الغربية.
سباق مع الزمن قبل أي تغيير سياسي
وتكشف التصريحات الإسرائيلية أن الحكومة الحالية تسابق الوقت من أجل تثبيت أكبر عدد ممكن من الوقائع على الأرض قبل أي انتخابات قد تفرز حكومة مختلفة في توجهاتها السياسية.
ويشمل ذلك منح عشرات البؤر الاستيطانية أوضاعًا قانونية رسمية، بما يجعل إزالتها أو إخلاءها أكثر تعقيدًا في المستقبل، سواء من الناحية القانونية أو السياسية.
ويرى مسؤولون في الكيان الإسرائيلي أن أي حكومة قد تعود إلى مسار التفاوض مع الفلسطينيين ربما تواجه صعوبة في التراجع عن هذه المشاريع إذا اكتملت إجراءات تقنينها وتحولت إلى مستوطنات معترف بها رسميًا.
توسع استيطاني غير مسبوق
وتشير التقارير الإسرائيلية إلى أن وتيرة البناء الاستيطاني شهدت ارتفاعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، إذ تمت الموافقة على إنشاء أكثر من مئة مستوطنة جديدة، إلى جانب مئات البؤر الاستيطانية التي يجري العمل على تقنينها.
كما يجري تنفيذ عشرات الآلاف من الوحدات السكنية الجديدة داخل المستوطنات، وهو ما يمثل قفزة كبيرة مقارنة بمعدلات البناء التي شهدتها الحكومات السابقة.
وترافق ذلك مع استثمارات ضخمة في شبكات الطرق والكهرباء والمياه والبنية التحتية، بهدف ربط المستوطنات ببعضها البعض وربطها أيضًا بالمدن داخل الكيان الإسرائيلي، بما يعزز استقرارها ويشجع على انتقال مزيد من المستوطنين إليها.
ويرى مراقبون أن هذه المشروعات لا تهدف فقط إلى توفير مساكن جديدة، وإنما إلى ترسيخ الوجود الاستيطاني وتحويله إلى واقع يصعب تغييره مستقبلاً.
تغييرات إدارية سرعت الاستيطان
ومن أبرز التطورات التي ساهمت في تسريع المشروعات الاستيطانية إعادة توزيع الصلاحيات داخل حكومة الكيان الإسرائيلي، حيث مُنح سموتريتش صلاحيات واسعة تتعلق بإدارة ملفات التخطيط العمراني والأراضي والإدارة المدنية في المنطقة المصنفة "ج" من الضفة الغربية.
وأدت هذه التغييرات إلى تقليص الإجراءات البيروقراطية التي كانت تؤخر المصادقة على المشاريع الاستيطانية، الأمر الذي انعكس في تسارع إصدار التراخيص والموافقات الخاصة بالبناء.
ويؤكد خبراء إسرائيليون أن هذه التعديلات الإدارية ساهمت في رفع وتيرة الاستيطان إلى مستويات لم تشهدها الضفة الغربية منذ عقود.
المنطقة "ج" في قلب المشروع
وتتركز غالبية المشاريع الجديدة داخل المنطقة "ج"، التي تخضع لسيطرة الكيان الإسرائيلي الكاملة وفق اتفاق أوسلو، وتمثل ما يقارب 60% من مساحة الضفة الغربية.
وتُعد هذه المنطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة، نظرًا لاحتوائها على معظم الأراضي المفتوحة والموارد الطبيعية، فضلًا عن كونها تشكل حلقة الوصل بين مختلف المحافظات الفلسطينية.
ويرى محللون أن تكثيف البناء الاستيطاني داخل هذه المنطقة يؤدي تدريجيًا إلى تقليص المساحات المتاحة للتوسع العمراني الفلسطيني، ويزيد من صعوبة إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
شبكة الطرق والحواجز تعمق العزل
ولا يقتصر المشروع الاستيطاني على تشييد المباني السكنية، بل يشمل أيضًا تطوير شبكة واسعة من الطرق المخصصة للمستوطنات، إلى جانب إنشاء بنية تحتية جديدة تربطها ببعضها البعض.
وفي المقابل، يواجه الفلسطينيون قيودًا متزايدة على الحركة، في ظل انتشار مئات الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش التي تعيق التنقل بين المدن والقرى.
وتشير بيانات دولية إلى وجود مئات الحواجز الثابتة والمتنقلة في أنحاء الضفة الغربية، وهو ما يجعل التنقل بين التجمعات الفلسطينية أكثر تعقيدًا، ويؤثر بصورة مباشرة على الوصول إلى أماكن العمل والمؤسسات التعليمية والمراكز الصحية.
كما أن انتشار المستوطنات على طول الطرق الرئيسية أدى إلى تقطيع الامتداد الجغرافي الفلسطيني، وتحويل العديد من المدن والبلدات إلى مناطق شبه معزولة عن بعضها البعض.
مخاوف من تقويض حل الدولتين
ويرى خبراء ومنظمات حقوقية أن التوسع الاستيطاني الجاري لا يهدف فقط إلى زيادة عدد السكان داخل المستوطنات، وإنما إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية للضفة الغربية.
فكل مستوطنة جديدة، وكل طريق يُشق لخدمة المستوطنين، يؤدي إلى تقليص المساحات المتبقية للفلسطينيين، ويزيد من صعوبة رسم حدود لدولة فلسطينية مستقبلية تمتلك تواصلًا جغرافيًا.
وتحذر مؤسسات إسرائيلية معارضة للاستيطان من أن استمرار هذه السياسة سيجعل أي تسوية سياسية أكثر تعقيدًا، مع ازدياد عدد المستوطنين واتساع رقعة المستوطنات عامًا بعد آخر.
كما ترى أن تكلفة إخلاء هذه المستوطنات سترتفع بصورة كبيرة، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية.
استثمارات بمليارات الشواكل
وتشير التقديرات إلى أن حكومة الكيان الإسرائيلي خصصت مليارات الشواكل لتنفيذ مشاريع تتعلق بالاستيطان، تشمل تطوير الطرق، ومد خطوط الكهرباء والمياه، وتوسعة شبكات المواصلات، وبناء مرافق عامة داخل المستوطنات.
كما تتضمن هذه الخطط إنشاء مناطق صناعية جديدة ومشاريع خدمية تهدف إلى تشجيع مزيد من الإسرائيليين على الانتقال إلى الضفة الغربية.
ويرى مختصون أن هذه الاستثمارات تمثل جزءًا من خطة بعيدة المدى تستهدف تثبيت الوجود الاستيطاني وتحويله إلى واقع دائم يصعب تغييره عبر أي مفاوضات مستقبلية.
انتقادات داخل الكيان الإسرائيلي
ورغم الدعم الحكومي الواسع للمشروع الاستيطاني، فإن أصواتًا إسرائيلية حذرت من تداعيات هذه السياسات.
وترى منظمات مثل "السلام الآن" و"كيرم نافوت" أن حجم التوسع الجاري يضعف فرص التوصل إلى حل سياسي، ويزيد من الأعباء الأمنية والاقتصادية التي سيتحملها الكيان الإسرائيلي مستقبلًا.
كما حذر باحثون في مراكز دراسات إسرائيلية من أن التوسع المستمر قد يؤدي إلى زيادة العزلة الدولية، مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى سياسات الاستيطان، التي تعتبرها غالبية الدول مخالفة للقانون الدولي.
وفي المقابل، يرى مسؤولون في الحكومة الحالية أن الأحداث الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة عززت التأييد الشعبي للاستيطان، باعتباره -من وجهة نظرهم- جزءًا من المنظومة الأمنية وليس مجرد مشروع أيديولوجي.
واقع جديد على الأرض
ويرى مراقبون أن ما تشهده الضفة الغربية اليوم يمثل واحدة من أكبر موجات التوسع الاستيطاني منذ عقود، ليس فقط بسبب عدد المستوطنات الجديدة، وإنما أيضًا بسبب طبيعة المشاريع التي تُنفذ، والتي تعتمد على الربط الجغرافي بين المستوطنات وتوسيع البنية التحتية وتغيير استخدامات الأراضي.
ويؤكد هؤلاء أن هذه السياسة تهدف إلى فرض واقع يصعب التراجع عنه مستقبلًا، سواء عبر المفاوضات أو أي تسوية سياسية محتملة، من خلال تكريس وجود استيطاني واسع يمتد على مساحات كبيرة من الضفة الغربية.
ومع استمرار حكومة الكيان الإسرائيلي في تسريع مشاريع البناء وتقنين البؤر الاستيطانية، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة جديدة تتسم بتغيرات جغرافية متسارعة قد تترك آثارًا بعيدة المدى على مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وبينما تؤكد الحكومة الإسرائيلية أن هذه الخطوات تأتي ضمن اعتبارات أمنية وسياسية، ترى جهات حقوقية وخبراء أن ما يجري يمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة المشروع الاستيطاني، ويقرب الضفة الغربية من واقع الضم الفعلي، في وقت تتراجع فيه فرص إحياء المفاوضات السياسية، وتتزايد المخاوف من أن تصبح إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
