الوقت - استضافت الولايات المتحدة الأمريكية بطولة كأس العالم 2026، التي تأثرت منذ بدايتها بالتوترات السياسية والصراعات الناجمة عن الحرب الأمريكية الأخيرة ضد إيران. وخلال البطولة، اتخذ العديد من المسؤولين السياسيين الأمريكيين وشخصيات غير رياضية موقفًا معارضًا للمنتخب الإيراني، وهو ما اعتبره الكثيرون مناقضًا لروح الحياد ومبادئ استضافة البطولات الدولية.
وفي أحدث مثال على ذلك، أعرب وزير الأمن الداخلي الأمريكي مارك واين مولن، بعد إقصاء المنتخب الإيراني من كأس العالم 2026، عن ارتياحه لهذا الحدث قائلاً: "أنا سعيد حقًا بانتهاء مشاركتهم وذهابهم من هنا". وتابع، مشيرًا إلى القيود المفروضة على البعثة الإيرانية: "كنت سعيدًا للغاية عندما تمكّنا من إلغاء تأشيراتهم. ربما غنيت أغنية أو اثنتين ورقصت فرحًا".
وقد قوبلت هذه التصريحات برد فعل حاد من إيران. كتب وزير الخارجية سيد عباس عراقجي في رسالة إلى مارك واين مولين: "سيد مولين، لقد أنجزت مهمتك بنجاح! ولكنك حققت إنجازًا آخر أيضًا؛ فقد أثبتّ للعالم أنك لا تستحق استضافة مباراة دولية. أصبحت إدارتكم مثالاً صارخاً على إهدار المكانة والهيبة التي يمكن أن يجلبها استضافة حدث عالمي لبلد ما".
اللعب في ظل ظروف غير متكافئة
إلى جانب المواقف السياسية للمسؤولين الأمريكيين ضد المنتخب الإيراني لكرة القدم، يعتقد العديد من خبراء كرة القدم، حتى خارج إيران، أن المنتخب الإيراني شارك في كأس العالم في ظل ظروف غير متكافئة.
قال سيمون جوردان، خبير كرة القدم والرئيس السابق لنادي كريستال بالاس، في برنامج "توك سبورت" التلفزيوني البريطاني، في إشارة إلى ظروف المنتخب الإيراني: "إذا أردنا تحديد جهة نلومها على ظروف إيران في كأس العالم بالولايات المتحدة، فإن الفيفا أحد الأطراف التي يجب مساءلتها؛ لأن هذه المؤسسة وقّعت اتفاقية الاستضافة، لكنها لم تُنفّذها بالكامل ولم تجعل التزامات الولايات المتحدة ملزمة".
وأكد قائلاً: "إلى حد ما، يمكن القول إن هذه الظروف لعبت دوراً في خروج إيران من البطولة، لأنه لم يواجه أي فريق آخر في هذه البطولة مثل هذه القيود. لم يكن أي فريق آخر في وضع مماثل من الحرب أو التوتر السياسي".
وأضاف جوردان: "يمكن إثارة النقاش حول سياسات الهجرة الأمريكية والاعتبارات الأمنية، لكن الحقيقة هي أن المنتخب الوطني لكرة القدم واجه مرارًا وتكرارًا مشاكل في الدخول والخروج، وتأخيرات عديدة، وقيودًا مختلفة، وهذا أمر لا يُنكر".
وتابع: "في ظل هذه الظروف، شعر المنتخب الإيراني بأنه ضحية. كان أعضاء الفريق يتنقلون باستمرار بين دخول الولايات المتحدة ومغادرتها، ولم يكن لديهم الوقت الكافي للراحة والتدريب والاستعداد. من وجهة نظرهم، يُعد هذا الموقف مثالًا واضحًا على الظلم".
وسائل الإعلام الأمريكية تُقر بالظلم
لم تقتصر الانتقادات الموجهة لاستضافة الولايات المتحدة على إيران، بل شككت بعض وسائل الإعلام الأمريكية أيضًا في أداء واشنطن.
وكتب موقع "يو إس إيه توداي" الأمريكي في تقرير له: "على الرغم من أن الطريقة التي عوملت بها إيران في كأس العالم 2026 كانت مخزية، إلا أن ما يُثير القلق أكثر هو عواقب هذا السلوك على مستقبل كرة القدم العالمية".
وتابعت الصحيفة مؤكدةً: "بموافقتها على نهج الحكومة الأمريكية تجاه إيران، والذي تسبب في تغيير المنتخب الإيراني لموقع معسكره في اللحظات الأخيرة ومواجهته قيودًا شبيهة بحظر التجول في أول مباراتين، فتحت الفيفا فعليًا بابًا واسعًا؛ وهي خطوة قد تسمح للدول المضيفة في المستقبل بمعاملة الدول التي لا تربطها بها علاقات سياسية جيدة بنفس الطريقة، حتى لو كانت تلك الدولة هي الولايات المتحدة."
كما نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً عن الوضع الصعب الذي مر به المنتخب الإيراني، وانتقدت أداء الفيفا، فكتبت: "لطالما تحدث جياني إنفانتينو عن تأثير الفيفا على الدول المضيفة، ولكن عندما طُرحت قضية إيران والولايات المتحدة في كأس العالم، تحول فجأة إلى مجرد مهرج".
سلوك تمييزي؛ أمثلة واضحة
تشير سلسلة الإجراءات والقيود التي فرضتها الحكومة الأمريكية إلى معاملة مختلفة وتمييزية للمنتخب الإيراني لكرة القدم، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
حرمان من الإقامة على الأراضي الأمريكية
على عكس معظم الفرق المشاركة في كأس العالم، لم يُسمح للمنتخب الإيراني بإقامة معسكر تدريبي أو مقر إقامة على الأراضي الأمريكية. ولهذا السبب، اضطرت إيران إلى نقل معسكرها من أريزونا إلى تيخوانا بالمكسيك، والتنقل ذهاباً وإياباً بين المكسيك والولايات المتحدة لكل مباراة، وهو وضع لم يواجهه أي من الفرق الأخرى.
قيود على الدخول والخروج
كما فرضت وزارة الخارجية الأمريكية قيوداً خاصة على دخول الموكب الإيراني. ذكر موقع "سبورتس بيزنس جورنال" الإلكتروني في هذا الصدد أنه بسبب هذه القيود، لم يُسمح لأعضاء الفريق بدخول المدينة المضيفة إلا قبل كل مباراة بقليل، وكان عليهم مغادرة الأراضي الأمريكية فور انتهاء المباراة.
ويرى خبراء الرياضة أن هذا السفر القسري، بالإضافة إلى تسببه في إرهاق مضاعف، قلل من فترة تعافي اللاعبين، وأدى إلى تعطيل كبير في خطط التدريب والتكتيكات للجهاز الفني.
عدم اكتمال إجراءات إصدار التأشيرات
ومن بين المشكلات الأخرى المثيرة للقلق، الطريقة التي تم بها إصدار تأشيرات دخول الوفد الإيراني. فبينما وصل العديد من الفرق المشاركة إلى الولايات المتحدة برفقة عشرات من أعضاء الطاقم التدريبي والإداري والتنفيذي والصحفيين، فرضت الحكومة الأمريكية قيودًا مشددة على إصدار التأشيرات للوفد الإيراني. ونتيجة لذلك، لم يتمكن عدد كبير من مديري الفرق والمسؤولين الإعلاميين والتنفيذيين من الحصول على تأشيرات. وفي معرض تبريرهم لهذا القرار، صرح المسؤولون الأمريكيون بأن تصاريح الدخول مُنحت فقط للأعضاء "الضروريين" في الوفد الإيراني.
إضافةً إلى ذلك، كانت عملية إصدار التأشيرات تدريجية وتم تنفيذها على عدة مراحل، مما تسبب في العديد من المشاكل للاتحاد الإيراني لكرة القدم في تخطيطه، وأثر سلبًا على استعدادات الفريق.
تأخر وصول أعضاء الفريق
وأشارت التقارير أيضًا إلى تأخر وصول بعض أعضاء المنتخب الإيراني إلى الولايات المتحدة. عشية مباراة إيران ومصر في سياتل، أعلن الاتحاد الإيراني لكرة القدم أن مهدي طارمي وسعيد الهويي، مدرب الفريق، خضعا لإجراءات تفتيش أمني مطولة بعد وصولهما إلى مطار الولايات المتحدة، ما أدى إلى تأخرهما في الوصول إلى مقر إقامة الفريق.
ووفقًا للاتحاد الإيراني لكرة القدم، اضطر أعضاء آخرون من الوفد المرافق للانتظار أيضًا حتى انتهاء هذه الإجراءات، الأمر الذي أدى إلى تعطيل الجدول الزمني المُعدّ مسبقًا للفريق.
كما أكد أمير قلعه نوي، مدرب المنتخب الوطني، مرارًا وتكرارًا أن هذه القيود، إلى جانب التنقلات القسرية والعديد من مشاكل السفر، قد أثرت سلبًا على اللياقة البدنية والفنية للاعبين، ودعا إلى منع تكرار مثل هذه المواقف في البطولات القادمة.
إلغاء حصة تذاكر الاتحاد الإيراني لكرة القدم
ومن القضايا المثيرة للجدل أيضًا إلغاء حصة التذاكر الرسمية المخصصة للاتحاد الإيراني لكرة القدم.
أفادت قناة الجزيرة بأن لوائح الفيفا تنص على تخصيص نحو 8% من سعة كل مباراة للاتحادات الوطنية لتوزيع التذاكر عبر قنواتها الرسمية على المشجعين وعائلات اللاعبين والرعاة ومجموعات المشجعين الرسمية.
وأعلن الاتحاد الإيراني لكرة القدم أنه بدأ عملية بيع هذه الحصة، ولكن قبل أيام قليلة من انطلاق البطولة، أعلن الفيفا إلغاء هذه الحصة للاتحاد الإيراني، وإلغاء إمكانية توزيع التذاكر من خلاله.
وتسبب هذا القرار في مشاكل كبيرة لعدد كبير من المشجعين الذين كانوا يخططون للسفر إلى الولايات المتحدة بناءً على هذه الحصة.
وفي بيان له، وصف الاتحاد الإيراني لكرة القدم هذه الخطوة بأنها "تتنافى مع روح المساواة في المنافسات الدولية"، وحذر من أن مثل هذا القرار سيزيد من الشكوك حول تدخل اعتبارات سياسية في أكبر حدث كروي في العالم. كما دعا الاتحاد الفيفا إلى الالتزام بمبادئ الحياد ولوائحه.
بحسب التقارير المنشورة، كان المنتخب الإيراني الفريق الوحيد في كأس العالم الذي أُلغيت تذاكره الرسمية، وهو ما اعتبره العديد من المراقبين دليلاً آخر على التمييز الذي يتعرض له المنتخب الإيراني خلال البطولة.
