الوقت ـ شهدت الضفة الغربية اليوم الأحد تصعيداً نوعياً في انتهاكات الاحتلال ومستوطنيه، تمثل في اعتداء جماعي على عائلة فلسطينية جنوب الخليل، بالتزامن مع حملة اقتحامات واعتقالات واسعة طالت معظم المحافظات، في مشهد يعكس تنامي سياسة "العقاب الميداني" الممنهج ضد الفلسطينيين في الضفة، تحت غطاء عسكري واستيطاني متكامل.
الجريمة الأولى: غاز الفلفل ومنع الإسعاف
اعتدت مليشيات المستوطنين، فجر اليوم، على عائلة إبراهيم إسماعيل الجبور في منطقة حوارة شرق يطا جنوب الخليل، مستخدمة الغاز المسيل للدموع والفلفل الحار، ما أدى إلى إصابة عدة أفراد من العائلة بحالات اختناق وحروق.
وفي انتهاك صريح للقانون الدولي، منعت قوات الاحتلال مركبة إسعاف من الوصول إلى موقع الاعتداء، بينما وفرت في الوقت نفسه الحماية المسلحة للمعتدين، ما كشف مجدداً عن التواطؤ الميداني بين الجيش والمستوطنين في تنفيذ عمليات الترهيب ضد السكان.
يأتي هذا الهجوم ضمن سلسلة متصاعدة من اعتداءات المستوطنين، التي تشمل إحراق مزروعات، قطع أشجار، اقتحام منازل، ومحاولات تهجير قسري، وسط صمت دولي وصمت رسمي إسرائيلي يشجع على المزيد من الإفلات من العقاب.
الجريمة الثانية: حملة اقتحامات واعتقالات شاملة
في تطور متزامن، شنت قوات الاحتلال الليلة الماضية وفجر اليوم حملة مداهمات واسعة، طالت بلدات ومخيمات في جنين، قلقيلية، القدس، رام الله، بيت لحم، نابلس، طولكرم والخليل، تخللها:
· جنين: اقتحام بلدة يعبد، واعتراض مركبة في محيط مخيم جنين.
· قلقيلية: اقتحام كفر قدوم، ونصب حاجز عسكري على مدخل حزما شمال شرق القدس.
· رام الله: اقتحام سلواد ومداهمة بناية سكنية، وإغلاق حاجز "عين سينيا" ما تسبب بأزمة مرورية خانقة.
· بيت لحم: اقتحام بلدة الخضر.
· نابلس: اقتحام بيت فوريك أكثر من مرة، ومداهمة بناية في الطور ومنزل داخل البلدة.
· القدس: اقتحام مخيم قلنديا واعتقال شاب.
· طولكرم: اقتحام ضاحية شويكة وبلدة دير الغصون، واعتقال 6 فلسطينيين بينهم الأب سائد بدران ونجله خالد، بالإضافة إلى وديع أبو حديد من ذنابة.
· الخليل: اعتقال إسحق جرادات ونجله محمد من منطقة العديسة في سعير.
هل تتحول الضفة إلى جبهة مفتوحة؟
يكشف التزامن بين اعتداءات المستوطنين وحملات الاعتقال الواسعة عن استراتيجية احتلالية متكاملة في الضفة الغربية، تقوم على:
1. خلط الأدوار: حيث يعمل المستوطنون كـ"ذراع ضغط شعبوي" بينما يوفر الجيش الغطاء الأمني، ويقوم في الوقت نفسه بحملات اعتقال لـ"تثبيت الردع".
2. استهداف العائلات والقيادات المحلية: عبر اعتقال الآباء والأبناء معاً، كما حدث في دير الغصون وسعير، بهدف كسر الروابط الاجتماعية وإرباك النسيج المقاوم محلياً.
3. إعاقة وصول الخدمات الأساسية: كمنع الإسعاف، ما يندرج ضمن سياسة "العقاب الصحي" التي سبق أن طُبقت في غزة، وتُجرى الآن اختباراتها في الضفة.
4. التضييق على الحركة: عبر إغلاق الحواجز وإطالة أمد المعاناة اليومية، في محاولة لدفع السكان نحو الهجرة القسرية، لا سيما في مناطق "ج" و"الأغوار".
مشهد الضفة يتجه نحو التصعيد
ما شهده اليوم هو نموذج مركب من انتهاكات الاحتلال، يجمع بين العنف الاستيطاني المباشر، والتواطؤ الرسمي للجيش، والحملات الأمنية الواسعة، والإعاقة المتعمدة للخدمات الإنسانية. في وقت تتصاعد فيه دعوات فلسطينية لتعزيز صمود الأهالي، ومواجهة محاولات تهجيرهم، يبقى السؤال الأكبر: هل هذه مقدمة لمرحلة جديدة من التصعيد في الضفة، أم أنها جزء من لعبة ضغط تهدف إلى فرض أمر واقع جديد قبل أي مفاوضات مقبلة؟
الأكيد أن ما يجري ليس اعتداءات معزولة، بل سياسة ممنهجة تُنهي أي وهم بـ"هدوء" في الضفة، وتعيد رسم ملامح الصراع على الأرض، مع استمرار غياب أي موقف دولي رادع.
