الوقت - في السنوات الماضية، كلما طُرح الحديث عن القواعد العسكرية الأمريكية في غرب آسيا، اتجهت الأنظار قبل كل شيء نحو قواعد واشنطن في قطر والبحرين والإمارات أو الكويت، والتي تحولت إلى ركائز أساسية للدعم الجوي واللوجستي للجيش الأمريكي في المنطقة. بيد أن جولة التصعيد الجديدة بين إيران والولايات المتحدة قد أحدثت زلزالاً في الخارطة الجيوسياسية للمنطقة.
وفي هذا السياق، نجد أن الأردن -الذي كان حتى عهد قريب يقف على هامش المعادلات الأمنية في الشرق الأوسط- قد تحوّل في ظل التحولات الأخيرة من لاعبٍ سلبي إلى أهمّ مركز للقيادة والدعم اللوجستي وتمركز القوات الأمريكية في المنطقة؛ وهو تحولٌ ألقى بالبلاد مباشرةً في أتون معادلات الردع والمواجهة بين طهران وواشنطن.
ومن هذا المنطلق، سعت إيران -بهدف إلحاق أقصى تكلفة ممكنة بواشنطن- إلى تركيز هجماتها على القواعد العسكرية في الأردن. وتعدّ الهجمة الإيرانية الضاربة على قاعدة "موفق السلطي" الجوية شرق الأردن، والتي وقعت يوم الجمعة (26 تموز/يوليو)، نقطة تحول في هذا المسار؛ إذ أثبتت أن جغرافيا المعركة لم تعد محصورةً في الدول الخليجية فحسب.
ووفقاً لما أعلنته القوات المسلحة الأمريكية، فقد أسفر هذا الهجوم عن مقتل جنديين أمريكيين، وفقدان شخص آخر، وإصابة أربعة عسكريين؛ وهو حدث يُعد -بحسب اعتراف المسؤولين في واشنطن- أول حالة مقتل لجنود أمريكيين في هجمات إيرانية مباشرة منذ اندلاع جولة التوترات الحالية.
ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين أمريكيين أن هذا الهجوم لم يكن إلا واحداً من أربع عمليات صاروخية وطائرات مسيرة نفذتها إيران ضد المواقع الأمريكية في الأردن خلال الأيام الخمسة الماضية، وهي عمليات لم تكتفِ بخلف خسائر بشرية، بل ألحقت أضراراً جسيمةً بالمعدات العسكرية الأمريكية، بما في ذلك عدة مروحيات وأنظمة دعم.
وقد جاء رد فعل دونالد ترامب ليعكس جسامة هذا الهجوم، حيث وصفه بالحدث "المحزن للغاية" وأعرب عن أسفه لمقتل العسكريين الأمريكيين، وهو موقفٌ ينمّ عن تصاعد مخاوف واشنطن من تعقّد إدارة هذه الأزمة وتفاقم تكاليفها.
لماذا أصبح الأردن محوراً مهماً؟
في ظل الظروف الراهنة، يبرز السؤال الجوهري: لماذا تحولت دولة صغيرة كالأردن إلى أهم قاعدة عملياتية للولايات المتحدة؟
إن الإجابة على هذا التساؤل تكمن في إعادة تنظيم التموضع العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط. فخلال العقدين الماضيين، كانت القواعد الأمريكية في الدول الخليجية تشكّل العمود الفقري لعمليات القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، ولكن مع اشتداد التوتر مع إيران وتزايد هشاشة تلك القواعد، بدأت واشنطن تدريجياً في نقل جزء من قدراتها العملياتية إلى مناطق تُعتبر "أكثر أمناً".
ويوفّر الأردن، بفضل مجاورته للعراق والأراضي المحتلة، إمكانية الدعم المتزامن لعدة جبهات عملياتية في آنٍ واحد. كما أن مسافته الأبعد عن الأراضي الإيرانية مقارنةً بقواعد الخليج الفارسي -ولاسيما قاعدة "العديد" في قطر- ولدت لدى واشنطن تصوراً بأنها ستوفّر حمايةً أكبر لتمركز قواتها.
ومع ذلك، فإن الإخفاق في اعتراض الصواريخ الإيرانية أثبت أن نقل القوات إلى الأردن لم يحقق الأمن المنشود الذي طالبت به واشنطن. وبعبارة أخرى، إذا كان نقل القوات إلى الأردن يُعد سابقاً جزءاً من استراتيجية تقليل الهشاشة الأمريكية، فقد تحولت تلك القواعد الآن إلى أهداف مباشرة للهجمات الإيرانية، مما يرفع التكاليف اللوجستية والأمنية على واشنطن إلى مستويات غير مسبوقة.
ومن ناحية أخرى، فبعد أن تضيق حلقة حرية الحركة العسكرية للولايات المتحدة في العراق والدول الخليجية، وعجزها عن استغلال قاعدة "إنجيرليك" الاستراتيجية في تركيا، تعاظمت أهمية الدور الأردني في العمليات الأمريكية بشكل ملموس. فلم يعد الأردن في الوقت الراهن مجرد موقع لتمركز القوات، بل استحال مركزاً حيوياً لتنسيق رحلات الاستطلاع، والعمليات المسيرة، والدعم اللوجستي، والتزوّد بالوقود جواً، فضلاً عن كونه جزءاً أصيلاً من منظومة الإنذار المبكر الأمريكية في المنطقة؛ الأمر الذي يجعل من أي خلل في هذا المركز بمثابة ضربة قد تزلزل كامل الشبكة العملياتية للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).
وتتجلى الأهمية الجيوسياسية للأردن بوضوح أكبر حين ندرك أن أجزاءً من منظومات الإنذار المبكر الأمريكية -المخصصة لاعتراض الصواريخ والمسيرات المتجهة نحو الأراضي المحتلة- باتت تعتمد في عملها على المعدات العسكرية المتمركزة في الأردن. وبناءً عليه، فإن أي اضطراب يلحق بهذه المراكز من شأنه أن يقوّض زمن استجابة أنظمة الدفاع الأمريكية والصهيونية، ويقلّص الفترات الزمنية اللازمة لرصد التهديدات، مما يضع قدراتهم الدفاعية في مواجهة تحديات جسيمة أمام أي هجمات محتملة.
وهنُ القدرة الهجومية الأمريكية
لقد استطاعت إيران، بوضعها التفوق العسكري الأمريكي موضع تساؤل وكشفها لضعف القدرات الهجومية للولايات المتحدة -تلك القدرات التي أُنفقت عليها أثمان باهظة وحملات دعائية واسعة- أن تخلق معادلات جديدة في الميدان العسكري، لدرجة أن المسؤولين ووسائل الإعلام الأمريكية باتوا يقرون بتصاعد القدرات الصاروخية لطهران.
وفي هذا الصدد، تشير التقييمات الجديدة للجيش الأمريكي إلى أن الصواريخ الإيرانية باتت تتمتع بقدرة أكبر على المناورة في مرحلة الطيران النهائية، مما جعل اعتراضها أمراً بالغ الصعوبة حتى بالنسبة لأنظمة متطورة مثل "باتريوت". وقد صرح مسؤولون أمريكيون لصحيفة "وول ستريت جورنال" بأن وتيرة الهجمات وحجم الخسائر الناجمة عنها، يشيران إلى أن القوات الإيرانية لا تزال تذخر بمخزونات هائلة من الصواريخ، وقد اكتسبت مهارةً فائقةً في مراوغة أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية.
وكما كشفت إصابة الصواريخ الإيرانية لميناء العقبة يوم الأحد، فإن أنظمة الإنذار والتحذير تفتقر إلى القوة الكافية لحماية الصهاينة. وقد برهن هذا الهجوم أنه في حال اتساع رقعة التوترات، فإن الأراضي المحتلة وقواعد الدعم الأمريكية في المنطقة ستواجه موجةً عارمةً من الهجمات، ولن تملك الأنظمة والمعدات المتمركزة في الأردن القدرة على كبح جماح مثل هذه التهديدات.
ويأتي ذلك في وقتٍ ظلّ فيه ترامب يزعم مراراً أن القدرات العسكرية الإيرانية قد تلاشت في مختلف الميادين، غير أن إصابة الصواريخ الإيرانية للقواعد الأمريكية في المنطقة، أثبتت أن تقديرات واشنطن للقدرات العسكرية لطهران كانت بعيدةً كل البعد عن الحقائق الميدانية.
وخلاصة القول، إن الهجمات الإيرانية على الأردن تتجاوز كونها مجرد إجراء عسكري ضد مركز محدد؛ فهي إيذانٌ بتحولٍ في الهندسة الأمنية للشرق الأوسط، حيث لم يعد العمق الجغرافي والاستراتيجي للدول كافياً، بمفرده، لحمايتها من تبعات صراع القوى العظمى.
