الوقت - زيارة رئيس وزراء العراق علي الزيدي إلى طهران، التي جرت يوم الخميس، ليست مجرد لقاء دبلوماسي بين دولتين جارتين، بل هي خطوة سياسية متوقعة في الأشهر الأولى من عمل الحكومات العراقية الجديدة، تدل على أن إيران لا تزال تحتل مكانةً حاسمةً في الحسابات الاستراتيجية لبغداد، وأنه لا يمكن لأي حكومة عراقية أن تثبت سياستها الخارجية دون إعادة ضبط علاقتها مع إيران.
في ظل الحكومة الأمريكية بقيادة ترامب، التي حاولت بتركيبة من الضغوط السياسية والأمنية والحوافز الاقتصادية تقليل النفوذ الإيراني في العراق، فإن تصدّر طهران جدول الزيارات الخارجية لرئيس الوزراء العراقي السيد علي الزيدي يعكس إدراك الحكومة العراقية الجديدة للواقع الجيوسياسي وللوزن الذي لا يمكن إنكاره لإيران في المعادلات الأمنية والاقتصادية والسياسية في العراق.
ومع هذا الواقع، يبدو جليًا أن أجواء هذه الزيارة تتأثر حتمًا بالتوترات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، وهما اللاعبان الرئيسيان في المشهد العراقي. في هذا السياق، أفادت مصادر مطلعة أن الزيدي سيطرح في طهران مقترح استضافة بغداد لمحادثات بين إيران والولايات المتحدة. ووفقًا لتقارير غير مؤكدة، فقد أوصى الزيدي خلال زيارته إلى واشنطن ترامب بوقف الهجمات على إيران وفتح باب الحوار.
من منظور بغداد، فإن استمرار التوتر بين طهران وواشنطن يؤثر على أمن العراق واقتصاده أكثر من أي دولة أخرى، لذا فإن لعب دور الوسيط لا يعد مجرد مبادرة دبلوماسية، بل ضرورة للحفاظ على الاستقرار الداخلي في البلاد.
وفي هذا الصدد، يرى المحلل السياسي العراقي مجاشع التميمي أن «الزيدي في طهران سيؤكد التزام حكومته بسياسة “التوازن الجيوسياسي”، وهي استراتيجية تهدف إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجيران والقوى الإقليمية والفاعلين الدوليين». وهذا النهج هو استمرار لسياسة تبناها العراق في السنوات الأخيرة لمنع أن يتحول إلى ساحة صراع بين القوى الخارجية.
الاقتصاد ركيزة أساسية للعلاقات الثنائية
لا تقتصر أهمية زيارة رئيس وزراء العراق إلى طهران على ملف الوساطة فقط، بل إن إيران والعراق شريكان قديمان تربطهما علاقات معقدة وواسعة النطاق، تُناقش في اللقاءات الدبلوماسية رفيعة المستوى، لا سيما في مجال العلاقات الاقتصادية الشاملة.
سيخصص جزء مهم من المباحثات لتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية والطاقة والنقل، وهي مجالات لا تزال قدراتها بعيدةً عن تلبية الحاجات الحقيقية للبلدين.
على مرّ السنوات، كانت إيران أحد أكبر الشركاء التجاريين للعراق. ووفقًا ليحيى آل إسحاق، رئيس غرفة التجارة المشتركة بين إيران والعراق، «بلغ حجم التجارة الرسمية بين البلدين حوالي 12 مليار دولار العام الماضي، وانخفض هذا الرقم قليلاً هذا العام بسبب تراجع صادرات الغاز الإيراني».
وبالرغم من هذا الحجم، فإن التبادل الاقتصادي بين البلدين لا يزال بعيدًا عن المستوى الأمثل بالنظر إلى الإمكانات الواسعة لدى الجانبين، ولهذا السبب، أكد المسؤولون في طهران وبغداد مرارًا على الهدف الطموح لرفع حجم التجارة السنوية إلى 20 مليار دولار.
يعد العراق، الذي يمتلك أطول حدود برية مشتركة مع إيران، من أهم وجهات صادرات إيران، حيث إن من بين نحو 110 مليار دولار من التجارة الخارجية الإيرانية في العام 2025، تم تخصيص حوالي 12 مليار دولار للتبادل التجاري مع العراق.
كما يحتل العراق المرتبة الثانية بعد الصين كمستورد غير نفطي من إيران بحصة تزيد عن 17%، ويتم تصدير مئات الأصناف من المواد، بدءًا من مواد البناء والمنتجات الزراعية، مرورًا بالصناعات الغذائية والدوائية، وصولًا إلى المعدات الصناعية والخدمات الفنية والهندسية.
ورغم المزايا اللوجستية والقدرات الكبيرة للتجارة بين البلدين، تواجه العلاقات الاقتصادية بين طهران وبغداد تحديات مثل العقوبات الأمريكية، وتزايد المنافسة الإقليمية في السوق العراقية، والظروف السياسية والأمنية في العراق. ومع ذلك، يرى العديد من الخبراء أن العراق يمكن أن يلعب دورًا أكثر بروزًا في دعم وتطوير التجارة الخارجية لإيران في السنوات القادمة.
من هنا، فإن الخلفية الاقتصادية للزيدي تمثل فرصةً مناسبةً لتفعيل الإمكانات غير المستغلة في التعاون بين البلدين. فبعكس العديد من رؤساء الوزراء السابقين الذين كانوا ذوي خلفيات أمنية أو سياسية، فإن النظرة الاقتصادية للزيدي قد تسرّع تنفيذ المشاريع المشتركة في مجالات التجارة والاستثمار والنقل والقطاع المصرفي والصناعات المشتركة.
إمكانات التعاون في قطاع الطاقة
يُعدُّ قطاع الطاقة أحد أهم محاور التعاون بين طهران وبغداد. لا يزال العراق يعتمد على واردات الغاز والكهرباء من إيران لتلبية جزء من احتياجاته الكهربائية، حيث يزوّد الغاز الإيراني عدداً من المحطات الكهربائية الكبرى في العراق، ولعب دوراً حيوياً في فترات ذروة الاستهلاك لمنع انقطاع التيار الكهربائي على نطاق واسع في البلاد.
وفقاً لعقدٍ مدّد لخمس سنوات في عام 2024، يستورد العراق يومياً ما يصل إلى 50 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي من إيران، وتُقدّر قيمة هذه الصادرات السنوية بين 4 إلى 5 مليارات دولار. وقد أعلنت وزارة الكهرباء العراقية أن أكثر من 30% من الكهرباء المنتجة في العراق تعتمد على الغاز الإيراني المستورد، وأن انقطاع هذا الغاز سيؤدي إلى خروج نحو ثلث إنتاج الكهرباء من الخدمة.
إلى جانب الغاز، كانت إيران تصدر الكهرباء إلى العراق حتى قبل القيود التي فرضت في السنوات الأخيرة، مما يدل على المكانة المرموقة التي تحتلها إيران في توفير الاحتياجات الطاقوية للعراق.
ورغم محاولات واشنطن في الأعوام الماضية دفع بغداد نحو بدائل أخرى، إلا أن الواقع الفني والاقتصادي أظهر أن لا خيار في المدى القصير قادر على تعويض التعاون الطاقوي الكامل مع إيران. وإلى جانب صادرات الغاز والكهرباء، تُعدّ القدرات الفنية والهندسية الإيرانية ميزةً هامةً أخرى في التعاون بين البلدين.
لقد أظهرت تجربة الحرب التي استمرت أربعين يوماً قدرة إيران، رغم الصعوبات، على تلبية احتياجاتها في مجالات الإنتاج، والنقل، وصيانة شبكة الكهرباء، وصناعات النفط والغاز والتكرير، دون الاعتماد على شركات أجنبية، وفي وقت قياسي. وهذه القدرات المحلية التي تُقدم بتكلفة أقل بكثير من الشركات الغربية، يمكن أن تلعب دوراً محورياً في إعادة بناء وتطوير البنى التحتية الطاقوية في العراق أيضاً.
ويمثّل قطاع البتروكيماويات كذلك مجالاً آخر لتوسيع العلاقات الاقتصادية، حيث تشير تقارير رابطة أصحاب العمل في صناعة البتروكيماويات والجمارك، إلى أن العراق يشكل أحد الوجهات الرئيسية لصادرات المنتجات البتروكيماوية الإيرانية، وتُقدّر قيمتها بين 1.5 إلى 2 مليار دولار.
إن قرب المسافة الجغرافية، وانخفاض تكاليف النقل، والتكامل في الاحتياجات الصناعية بين البلدين، يجعل من هذا القطاع أحد أكثر مجالات التعاون المشتركة ربحيةً. وإضافةً إلى الصادرات، فإن إمكانية إقامة استثمارات مشتركة في الصناعات التحويلية للبتروكيماويات، يمكن أن تضيف قيمةً مضافةً كبيرةً لاقتصادي البلدين.
وإلى جانب التعاون الاقتصادي، يحتل موضوع الترانزيت مكانةً خاصةً في علاقات البلدين. وكشفت التطورات الأخيرة والاضطرابات في حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، عن هشاشة الاقتصاد العراقي أكثر من أي وقت مضى. فجزء كبير من صادرات النفط العراقي يمر عبر الخليج الفارسي ومضيق هرمز، وأي تهديد للأمن في هذا الممر يؤثر مباشرةً على عائدات بغداد النفطية.
ورغم سعي الحكومة العراقية لتفعيل طرق بديلة عبر تركيا وسوريا، فإن هذه المشاريع تحتاج إلى وقت طويل بسبب اعتبارات أمنية وبنية تحتية. لذلك، فإن الحوار مع إيران بشأن أمن طرق الطاقة وتسهيل حركة الملاحة البحرية يحمل أهميةً استراتيجيةً كبيرةً للعراق، وسيطرح الزيدي هذه القضية مع كبار المسؤولين في طهران.
ومن جهة أخرى، فإن العراق ليس مجرد جار أو سوق تصديرية لإيران في معادلات الترانزيت، بل هو حلقة استراتيجية تربط ممرات النقل من الشرق إلى الغرب. إذ إن استكمال مشروع السكة الحديدية بين شلامجة والبصرة وربطها بالشبكة العراقية، يفتح الباب أمام ربط ممرات الترانزيت الإيرانية بموانئ البحر المتوسط، مما يعزز موقع إيران في مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.
في ظل هذه الظروف، لا يُعد العراق مجرد بوابة لدخول البضائع الإيرانية إلى العالم العربي والبحر المتوسط، بل هو جسر استراتيجي يحوّل إيران إلى محور ترانزيت بين الشرق والغرب، وهو امتياز قد يولّد مليارات الدولارات من عائدات الترانزيت للبلدين، ويعزز أهميتهما الجيوسياسية في حسابات الصين وغيرها من القوى الاقتصادية الآسيوية.
القضايا الإقليمية
قد يكون أكثر محاور محادثات الزيدي في طهران حساسيةً، هو ما يتعلق بالأمن والتطورات الإقليمية. زيارة علي الزيدي إلى طهران، التي جاءت بعد أيام قليلة فقط من لقائه بالرئيس ترامب، تعكس بوضوح سعي الحكومة العراقية الجديدة إلى الحفاظ على توازن في علاقاتها مع إيران والولايات المتحدة في ظل الأجواء المتوترة التي تشهدها المنطقة. بغداد تدرك جيدًا أن أي تصعيد في الصراع بين طهران وواشنطن، قد يترك آثارًا مباشرةً على أمن العراق واستقراره الداخلي.
وتزداد هذه المخاوف مع تكرار تحذيرات إيران من احتمال استخدام الولايات المتحدة لأراضي العراق كقاعدة لشن عمليات ضدها، بالإضافة إلى التعاون المشترك بين واشنطن والكيان الصهيوني في استغلال الأجواء العراقية، ومحاولات إثارة عدم الاستقرار عبر مجموعات انفصالية. من هذا المنطلق، يمكن اعتبار زيارة الزيدي إلى طهران محاولةً لإدارة هذه التوترات، ومنع العراق من أن يصبح ساحة صراع بين القوى الخارجية.
على صعيد آخر، لم تكن مراسم التشييع الجماهيري لقائد إيران الشهيد في مدينتي النجف وكربلاء مجرد شعائر دينية، بل كانت، وفقًا لعديد من المراقبين، عرضًا جليًا للوزن الاجتماعي والسياسي لتيار المقاومة في العراق، ولدرجة التماسك بين الجماهير وقوى سياسية بارزة في البلاد. هذه المشاهد بعثت برسالة واضحة إلى صانعي القرار في بغداد، مفادها أن أي قرار يتعلق بالأمن الوطني والسياسة الخارجية، لا بد أن يُتخذ مع مراعاة الواقع الميداني والتوازنات الداخلية.
ومن جانبها، تدرك حكومة الزيدي، التي تشكلت من قلب ائتلاف “الإطار التنسيقي” والتيارات المقاومة، تمامًا أن أي تصعيد بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى، سيدفع الفصائل المقاومة العراقية، استنادًا إلى مبادئها الدينية والسياسية، إلى الدخول على خط المواجهة إلى جانب محور المقاومة. لذلك، تسعى بغداد إلى تفادي انجرار العراق إلى مواجهة مباشرة، وفي الوقت نفسه، تحاول منع التحولات الداخلية إلى أزمة أمنية.
وعلى هذا الأساس، يمكن لإيران أن تكون الممر الأكثر أمانًا لحكومة الزيدي، كي لا تقع في الفخ الذي تحاول الولايات المتحدة نصبه لها من خلال محاولات نزع سلاح الفصائل المقاومة. هذه الفصائل تطالب بإنهاء الاحتلال والتدخل الأمريكي في العراق، وترفض الخضوع لمخططات نزع السلاح. وإذا ما استسلمت حكومة الزيدي للضغوط الأمريكية متجاهلةً الواقع الداخلي، فإن ذلك سيشكل تحديًا جسيماً لمسارها المستقبلي.
