الوقت - في تطور يعكس تعقيدات المشهد الجيوسياسي حول أزمة مهاجري سبتة، كشفت صحيفة "إل موندو" الإسبانية عن نقاشات تجري في أوساط أكاديمية واستخباراتية صينية، تطرح فرضية مثيرة للجدل تربط التدفق الجماعي للمهاجرين نحو المدينة الإسبانية شمال المغرب بـ"حرب هجينة" مُنسقة، قد تكون إسرائيل طرفاً فيها.
ووفقاً للمعلومات التي نقلتها الصحيفة الإسبانية عن مصادر في بكين، فإن هذه الفرضية، التي لم تقدم حتى الآن أي وثيقة استخباراتية رسمية أو دليل مباشر يثبت تورط إسرائيل، تُدرس كأحد التفسيرات الممكنة للأزمة التي شهدتها سبتة مطلع أغسطس/آب الجاري.
الباحثة المصرية نادية حلمي.. مصدر الفرضية
تعود جذور الطرح الصيني إلى مقال نشرته الباحثة المصرية نادية حلمي، المتخصصة في السياسة الصينية والعلاقات الصينية-الإسرائيلية، في مجلة "الدبلوماسية الحديثة" (Modern Diplomacy). واستندت حلمي في تحليلها إلى ما وصفته بـ"تقارير غير منشورة" ومصادر في الدوائر الاستخباراتية والعسكرية والاستراتيجية الصينية.
وتفترض هذه التقارير، وفقاً لحلمي، أن أزمة سبتة لم تكن حدثاً عفوياً، بل جزءاً من عملية منسقة تهدف إلى الضغط على حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وربطتها بالتوترات المتصاعدة بين مدريد وتل أبيب على خلفية حرب غزة واعتراف إسبانيا بدولة فلسطين.
وذهبت الفرضية إلى حد التساؤل عما إذا كان "الموساد" قد دفع إلى التدخل في الأزمة وربما "زرع عملاء لتشجيع الاضطرابات بين السكان المغاربة".
معطيات على الأرض تدعم الجدل
يستند الطرح الصيني إلى عدة معطيات، أبرزها:
التوتر الإسباني-الإسرائيلي: تصاعدت الانتقادات العلنية من حكومة سانشيز تجاه إسرائيل، وصولاً إلى الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية، مما أثار حفيظة تل أبيب.
التحالف الإسرائيلي-المغربي: عززت إسرائيل والمغرب تعاونهما الأمني والاستخباراتي بعد تطبيع العلاقات عام 2020، مما يجعلهما حليفين استراتيجيين في المنطقة.
التصعيد الدبلوماسي: تبادل دبلوماسيون إسرائيليون وإسبان اتهامات علنية، حيث انتقد مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، إسبانيا، بينما رد وزير النقل الإسباني، أوسكار بوينتي، بتغريدة اعتُبرت تلميحاً لاتهام إسرائيل.
أصوات دولية تنضم للجدل.. وغياب الأدلة
لم ينحصر النقاش في الدوائر الصينية، بل انضم إليه الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، الذي اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالمسؤولية عن الأزمة، زاعماً أنه "يدفع للفقراء ليخاطروا بحياتهم في محاولة للوصول إلى إسبانيا"، واصفاً المغرب بأنها "استسلمت لإرادة مجرم هارب". ومع ذلك، لم يقدم بيترو هو الآخر أي أدلة ملموسة تدعم مزاعمه.
وفي المقابل، أشارت تقارير إلى انتشار نظريات مؤامرة معادية للسامية على نطاق واسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث روج أكثر من 100 حساب مؤثر لروايات تزعم تورط إسرائيل في الأزمة، وحققت هذه المنشورات عشرات الملايين من المشاهدات.
وعلّق محللون على هذه النظريات بأنها تندرج في سياق اتهامات متكررة تلقي باللوم على إسرائيل في أحداث لا علاقة لها بها، معتبرين أن هذا يعكس نمطاً من "نظريات المؤامرة" التي تحرم الفاعلين المحليين من وكالتهم في أفعالهم.
السياق الرسمي.. تهميش للفرضية
في غضون ذلك، لم تتبنَّ أي جهة رسمية صينية هذا الطرح، واكتفت وسائل الإعلام الصينية الرسمية مثل "سي جي تي إن" و"شينخوا" بتغطية تداعيات الأزمة على السياسة الأوروبية، فيما ركز محللون صينيون على الفجوات في سياسة الهجرة الأوروبية.
كما نفت السفارة الإسرائيلية في مدريد أي تورط لبلادها في الأزمة، مؤكدة أن تصريحات مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة لا تعكس الموقف الرسمي.
وبقيت الفرضية الصينية مجرد نقاش أكاديمي واستخباراتي، في ظل غياب أي دليل ملموس، وسط إجماع معظم التقارير على أن الأزمة تعكس بالأساس إخفاقات في سياسات الهجرة الأوروبية، وخللاً في الضبط الحدودي المغربي، واستغلال شبكات التهريب للقرارات القضائية الإسبانية.
