الوقت - في هذه الأيام، لا شيء يجسّد هشاشة المشهد السياسي الصهيوني أبلغ من استطلاعات الرأي التي بثّت الرعب في أوصال حزب “الليكود”. فما يعتري معسكر نتنياهو ليس مجرد التوجّس المألوف الذي يسبق أي معترك انتخابي، بل هو ذعرٌ حقيقي من انزلاق صولجان السلطة من بين يديه. وما هو أدهى من ذلك وأمَرّ، ذلك السيناريو الدراماتيكي الذي يلوح في الأفق، والمتمثل في إخفاق حزب “الصهيونية الدينية” - بزعامة وزير المالية الحالي “بتسلئيل سموتريتش”، والذي يُعد من أعتى غلاة التطرف وأقربهم لنتنياهو - في بلوغ العتبة الانتخابية (نسبة الحسم) لدخول البرلمان.
ويدرك قادة “الليكود” يقيناً أن هذا السيناريو لا يمثّل مجرد انتكاسة سياسية أو وصمة عار، بل هو كارثة بنيوية زلزالية تنذر بانهيار معسكر اليمين برمته وتداعي أركانه.
إن كل مقعدٍ يتسرب من بين أيدي سموتريتش ومريديه، هو مقعدٌ نفيس قد يُكلّف اليمين عرش السلطة في غمرة السباق المحموم مع معسكر “التغيير” المنافس. وهنا، تعود قواعد اليمين لتُعلّق آمالها على دهاء نتنياهو و"براعته" المعهودة في قلب الطاولة وخلط الأوراق في اللحظات الحاسمة؛ إذ شرع يقلّب ناظريه في خيارات شتى، منها هندسة تحالفٍ جديد يجمع سموتريتش بوزير الأمن القومي “إيتمار بن غفير”، أو اللجوء إلى اجتراح حلول أكثر ابتكاراً ومجازفةً.
صدعٌ في الجدار: نيران الخلافات الداخليّة تستعر في أروقة “الليكود”
تترقب الأوساط السياسية أن تنطق “المحكمة الحزبية” لليكود بأحكامها إزاء القضايا الجدلية الشائكة التي سترسم ملامح الانتخابات التمهيدية للحزب. ولا تعدّ هذه المحكمة كياناً قضائياً رسمياً، بل هي لجنة داخلية يلتئم شملها من قضاة متقاعدين وكبار المحامين المنضوين تحت لواء الحزب. وتأخذ هذه المحكمة على عاتقها مهمة الفصل في النزاعات الناشئة عن تأويل النظام الأساسي لـ “الليكود”، وتُعد قراراتها سيفاً ماضياً ونافذاً على جميع أعضاء الحزب، ولا يُقبل الطعن فيها أمام المحكمة العليا للكيان إلا في حالات استثنائية نادرة.
عُقَد المنشار: ما هي بؤر الخلاف في “الليكود”؟ أربع مسائل مصيرية تنتظر مطرقة المحكمة:
أولاً: آليّة التصويت. هل يُشرّع باب التصويت لجميع منتسبي الحزب، البالغ تعدادهم قرابة 150 ألف عضو، أم يُقتصر هذا الحق على أعضاء اللجنة المركزية لليكود، والذين لا يتجاوز عددهم 4000 عضو؟ إن هذا الخلاف يتجاوز كونه تبايناً فنياً عابراً؛ ليكون صراعاً مريراً على مقاليد قيادة الحزب. فبينما يميل نتنياهو إلى توسيع قاعدته الانتخابية، يسعى خصومه إلى تضييق الخناق وحصر التصويت لتعظيم نفوذهم النسبي.
ثانياً: توقيت الانتخابات التمهيدية. هل يُصار إلى تبكير موعدها قبل الحل الرسمي للكنيست، أم تُرجأ إلى ما قبل أسبوعين أو ثلاثة من الانتخابات العامة؟ إن لعامل التوقيت سطوةً بالغة الأثر على قدرة المرشحين في إدارة دفة حملاتهم الانتخابية، كما يلعب دوراً محورياً في حظوظ نتنياهو لنسج تفاهمات مع شخصيات وازنة خارج حلبة المنافسة المباشرة.
ثالثاً: المقاعد المحجوزة أو ما يُعرف بـ “الشريونيم”. والمقعد المحجوز هو مساحة مضمونة في القائمة الانتخابية للحزب، يهبها زعيم الحزب لشخصية بعينها دونما حاجة لخوض غمار الانتخابات التمهيدية. والسؤال الذي يثير زوبعة الجدل هنا هو: كم مقعداً يحقّ لنتنياهو أن يقتطع ويحجز؟
وفي هذا المضمار، مال ميزان المحكمة الحزبية لصالح رغبات نتنياهو، وذلك بعد مراجعة الحكم الابتدائي، وبفارقٍ ضئيل لا يتجاوز الصوتين. وهكذا، أفلح نتنياهو في فرض إرادته وتثبيت أركانه في هذا الملف الانتخابي المفصلي. ووفقاً لما أوردته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فقد انتزع نتنياهو موافقة الحزب على تحصين ثمانية مقاعد لمرشحيه المُفضلين، في وقتٍ تُشير فيه استطلاعات الرأي الحالية إلى أن الحزب قد يظفر بنحو 23 مقعداً فقط.
وهذا المشهد يُبقي، في واقع الأمر، قرابة 16 مقعداً يتيماً لتطاحن سائر مرشحي “الليكود”. وما يعنيه ذلك ضمناً، هو أن نصف نواب “الليكود” القابعين حالياً تحت قبة الكنيست، سيجدون أنفسهم مضطرين لخوض غمار المنافسة الطاحنة مجدداً في أتون الانتخابات التمهيدية المرتقبة للحزب.
رابعاً: هندسة القائمة النهائية. بعد انقضاء غبار الانتخابات التمهيدية وحصد المرشحين لأصواتهم، هل تُوزّع المقاعد حصراً وفقاً لحصاد صناديق الاقتراع، أم يُمنح زعيم الحزب تفويضاً لإعادة صياغة القائمة وِفقَ رؤيته السياسية ومقاساته الخاصة؟
هذه المعضلات الأربع لن تجد طريقها للحل عبر أروقة التصويت الداخلي؛ فالشقاق أعمق من أن يُرقّع. عوضاً عن ذلك، ستتولى “المحكمة الحزبية” الفصل فيها، متفحصةً الالتماسات والطعون المرفوعة من شتى الأطراف. وأيَّاً كان القرار الذي سيصدر، فإنه سيُمثل “قواعد اللعبة” الثابتة التي ستُبنى عليها صيرورة التنافس المحموم لاقتناص المقاعد الحقيقية في القائمة.
والجدير بالذكر أن نتنياهو لا يقف مكتوف الأيدي بانتظار مطرقة المحكمة. فهو ينسج خيوطه في الكواليس المعتمة، سعياً لإبرام تفاهمات مع مراكز الثقل والنفوذ داخل الحزب. تراه يفاوض أمثال “ديفيد بيتان”، رئيس اللجنة الاقتصادية في الكنيست، والذي يُعد صوتاً معارضاً داخل الليكود ويُعرف بجرأته في توجيه سهام النقد لسياسات الحكومة؛ و"حاييم كاتس"، وزير الإسكان، الذي يُعتبر من أخلص حلفاء نتنياهو التقليديين وصاحب الباع الطويل والشبكة الأخطبوطية من العلاقات داخل الحزب.
وفي الدائرة الضيقة المحيطة بنتنياهو، يتردد صدى اسم “دادي شيمحي”، المسؤول الأمني السابق والمقرب من رئيس الوزراء، كمرشح محتمل ليحظى بحصة تمثيلية محصّنة (شريون). وما هذا إلا نذير شؤم لأعضاء الكنيست الحاليين، إذ يعني إما إقصاءهم ودفعهم نحو هوامش النسيان، أو في أحسن الأحوال، تجريدهم من المقاعد المضمونة التي تكفل بقاءهم تحت قبة البرلمان القادم.
هذه المعادلة المستعصية ولّدت حالةً يصفها المراقبون الإسرائيليون بـ “الضغط الانفجاري” في أحشاء حزب الليكود. وما يلفت الانتباه أن بعض أعضاء الكنيست الذين طوّقهم هذا الضغط، بدأوا يتلمّسون خيارات بديلة في جنح السرية، بل إن بعضهم مدّ جسور التواصل مع أتباع “إيتمار بن غفير” لاستشراف فرص الاندماج تحت مظلة قائمة “القوة اليهودية”. إن قرارات نتنياهو هذه، تلقّفتها وسائل الإعلام لتصوّرها كملهاةٍ هزلية (كوميديا سوداء): نوابٌ من الليكود يلوذون بحزبٍ كان يُنظر إليه، حتى الأمس القريب، على أنه غارقٌ في التطرف حتى بمعايير اليمين الإسرائيلي نفسه!
المحاكمة: نتنياهو في مهب العاصفة بين مطرقة القضاء وسندان السياسة
وفي حين ينهمك نتنياهو في ترتيب البيت الداخلي وحشد صفوف ائتلاف اليمين استعداداً للمعترك الانتخابي، يجد نفسه غارقاً في أتون معركة أخرى لا تقلّ ضراوةً: قاعة المحكمة.
فمنذ عام 2020، يقف رئيس وزراء الكيان في قفص الاتهام عبر ثلاثة ملفات منفصلة، مثقلة بتهم الرشوة، والاحتيال، وخيانة الأمانة، وهي ملفاتٌ دمجتها السلطات القضائية في بوتقة دعوى واحدة. فالملف (1000)، الذي يتهكم عليه نتنياهو واصفاً إياه بـ “ملف الأرانب والسيجار”، يتعلق بتلقيه هدايا باهظة تُقدر بمئات الآلاف من الشواكل من رجال أعمال أجانب، على رأسهم الملياردير المعروف “آرنون ميلتشان”، لقاء منحه حظوةً وامتيازات سياسية. أما الملف (2000)، فيتمحور حول حواراته مع “نوني موزس”، ناشر صحيفة يديعوت أحرونوت، حيث تحوم حوله شبهات بمحاولة إبرام صفقة غير مشروعة لضمان تغطية إعلامية تلمّع صورته، مقابل تمرير تشريع يرمي إلى تقليم أظافر الصحيفة الغريمة “إسرائيل هيوم”. ويبقى الملف (4000) هو الأشدّ قتامةً وتعقيداً؛ إذ يضمّ اتهامات بتلقي نتنياهو رشاوى إبان توليه حقيبة الاتصالات، حيث يُزعم أنه استغل منصبه الحكومي لإصدار قرارات درّت مئات الملايين من الشواكل على شركة الاتصالات “بيزك”، مقابل أن تحظى أخباره بتغطية مُحابِية في موقع “والا” الإخباري، المملوك لـ “شاؤول ألوفيتش”، المساهم الأكبر في بيزك.
وبدلاً من أن يمثل أمام المحكمة كمتهمٍ خاضعٍ للاستجواب، دأب نتنياهو على قلب ظهر المجنّ، متدثّراً بعباءة السياسي المنافح عن الديمقراطية وحرية الصحافة. وفي شهادته، لا يتفوه بكلمة عن الرشاوى أو الصفقات المشبوهة، بل ينسج حكايات عن “محادثات عبثية” مع “خصم سياسي لدود”.
واستناداً إلى قراءات الصحف الصهيونية، كـ “إسرائيل هيوم” و"يديعوت أحرونوت"، يعمد نتنياهو إلى انتهاج استراتيجية خبيثة ترمي إلى تحويل قاعة المحكمة إلى منبرٍ سياسي بامتياز. فهو يتخذ من الجلسات العلنية مسرحاً لتكريس سردية “حملة مطاردة الساحرات” (وهو اللقب الذي يطلقه على محاكمته) في الوعي الجمعي، متجاهلاً أسئلة المدعي العام، ليصوّب نظراته وحديثه مباشرةً نحو عدسات الكاميرات وجموع مريديه. ولعل أحدث فصول هذه الاستراتيجية تجلى في طلبه المباغت للحصول على عفو رئاسي أواخر عام 2025، متذرعاً بأن “استمرار المحاكمة سيمزق أوصالنا من الداخل”.
هذه السردية تجد لها صدىً مدوياً ومكثفاً عبر بوقه الإعلامي الأبرز، “القناة 14”، التي وصفتها الصحافة الصهيونية بـ “ماكينة بخ السموم”. فهذه القناة لا تكتفي بتغطية مجريات المحاكمة، بل تروّج لنظرية مؤامرة كبرى تضفر جهات إنفاذ القانون، والسلطة القضائية، ووسائل الإعلام السائدة في نسيج واحد، مُصوِّرةً إياهم كأذرع لـ “دولة عميقة” تسعى للإطاحة بنتنياهو “المنتخب ديمقراطياً”. وعلى هذا النحو، لا يُقدَّم نتنياهو كمتهمٍ غارقٍ في وحل الفساد، بل كضحيةٍ لنخبٍ متسلطة تروم تكميم فمه؛ لتتحول المحاكمة بذلك من نزاعٍ قانوني صِرف، إلى ملحمةٍ سياسية تدور رحاها بين “نخبة فاسدة” و"خيار الشعب".
غُرماء نتنياهو المتأهبون لاقتناص سُدة رئاسة الوزراء
وعلى الضفة الأخرى من المشهد السياسي، يبرز “أفيغدور ليبرمان”، أحد أقطاب المعارضة في الكيان الصهيوني وزعيم حزب “إسرائيل بيتنا”، فارساً يقتحم حلبة السباق نحو رئاسة الوزراء، مقدماً نفسه كبديلٍ جريء لا يداهن. ولعل تصريحاته الأخيرة لم تترك مواربةً لمتأول، حينما أعلنها مدويةً: “أريد أن أعتلي سدة رئاسة الوزراء”، وأردف قاطعاً: “حتى لو انقلبت الدنيا رأساً على عقب، فلن أجلس على طاولة واحدة مع نتنياهو”. هذا التصعيد الصارخ لا يندرج في باب الجعجعة الانتخابية الجوفاء، بل يمثل قراءةً حصيفةً وتشريحاً دقيقاً للمناخ السياسي الذي يخيّم على يمين الكيان في الوقت الراهن.
وقد رسم ليبرمان حدوداً واضحةً وشروطاً صارمةً لأي ائتلاف قادم، يتربع على عرشها “قانون التجنيد الشامل”، الذي يُلزم طائفة “الحريديم” بالانخراط في صفوف الجيش. وهذا الشرط، كما يعلم القاصي والداني، ليس سوى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في وجه أي ائتلاف مستقبلي؛ إذ إنه يمسّ وتراً بالغ الحساسية، ويقترب من أشدّ الخطوط الحمراء التهاباً في صميم السياسة الداخلية للكيان الصهيوني.
وحول احتمالية نسج خيوط التعاون مع “غادي آيزنكوت” (رئيس الأركان السابق والمرشح لرئاسة الوزراء في انتخابات 2026)، يُقر ليبرمان بوجود “هوة سحيقة” تفصل بين رؤيتيهما، لا سيما فيما يخصّ قانون التجنيد. غير أنه، وفي الوقت ذاته، يُبقي الباب موارباً أمام أي تحالف من شأنه أن يخدم غايته المزدوجة: “الإطاحة بحكومة نتنياهو الخبيثة، وتتويجه هو على عرش رئاسة الوزراء”.
في المقابل، يتقمص “نفتالي بينيت” (رئيس الوزراء الأسبق) دوراً أكثر حذراً وتريثاً. وقد أسبغ عليه ليبرمان وصف “الشريك الجاد والمسؤول” الذي “يُعلي مصلحة البلاد فوق ذاته”؛ وهو توصيف ينمّ عن استراتيجية جلية المعالم: إبقاء خيارات التحالف مفتوحةً دونما تسرع أو اندفاع. يدرك بينيت جيداً أن صورته السياسية قد أصابها الخدش، غير أنه يوقن في قرارة نفسه أن أي حكومة بديلة لن تبصر النور دون أن يكون هو، أو ليبرمان، أو كلاهما معاً، حجر الزاوية في بنيانها.
وعليه، يجد نتنياهو نفسه مضطراً لخوض غمار الحرب على ثلاث جبهات متوازية:
جبهةٌ قانونية قد تلقي به في غياهب السجن.
جبهةٌ سياسية قد تحول بينه وبين كرسي السلطة.
جبهة البقاء الشخصي، والتي تدفعه لنسج مناورات قد تزيد الطين بلةً وتجعل المشهد أكثر تعقيداً.
سيناريوهات المستقبل المرتقبة
السيناريو الأول: بقاء دفة الحكم في قبضة اليمين بقيادة نتنياهو
رغم التصدعات التي تضرب أطناب الائتلاف اليميني، وما تحمله استطلاعات الرأي من نذر تشير إلى تعثر معسكر نتنياهو في بلوغ عتبة الأغلبية المريحة (61 مقعداً)، إلا أن كوكبةً من المراقبين تحذر من مغبة الاستهانة بالرجل. فما زال يتربع على عرش الدهاء السياسي في الكيان، ويتمتع بمرونة فائقة في حياكة الألاعيب. غير أن بلوغ هذا السيناريو برّ الأمان مرهونٌ بنجاح حزب “الصهيونية الدينية” بزعامة سموتريتش في تخطي نسبة الحسم؛ وهو الحزب الذي ظل يتأرجح على حافة الهاوية في الاستطلاعات لأشهر خلت. ولإنجاح هذه المساعي، قد يجد نتنياهو نفسه مُكرهاً على لعب دور عرّاب المصالحة لترميم التحالف بين سموتريتش وبن غفير، رغم رفض الأخير القاطع لهذا الاندماج. وإذا ما كُتب لهذه المساعي النجاح، فإن الفاتورة التي سيدفعها نتنياهو ستكون باهظةً، وتتمثل في تقديم تنازلات جوهرية لشركائه من غلاة المتطرفين في ملفات مصيرية كتوسيع الاستيطان، وتقويض سيادة القوانين الداخلية على طائفة “الحريديم”.
السيناريو الثاني: انبثاق “حكومة التغيير” بقيادة ائتلاف (ليبرمان - بينيت)
يستند هذا المسار إلى تبلور جبهة موحدة تضمّ عدداً من الأحزاب المناوئة لنتنياهو، وعلى رأسها “إسرائيل بيتنا” (ليبرمان)، و"ياشار" (آيزنكوت)، و"معاً" (بينيت ولابيد). وتُبشر استطلاعات الرأي بأن ائتلافاً كهذا يمتلك المقومات الكافية للظفر بالأغلبية البرلمانية.
السيناريو الثالث: الانهيار والانسداد السياسي
نظراً للطبيعة المتشظية للمشهد السياسي الإسرائيلي، والصدوع الاجتماعية العميقة، يرى طيف واسع من المحللين أن سيناريو المأزق السياسي وتكرار الانتخابات هو الخيار الأكثر رجحاناً. وفي هذا المضمار، لن يقوى معسكر نتنياهو ولا معسكر التغيير على قطف ثمار أغلبية الـ 61 مقعداً. كما أن الأحزاب العربية لن تتمكن من أداء دور “بيضة القبان” في أي ائتلاف، بعد أن أعلن كلا المعسكرين أنهما لن يتكئا على دعمها. وبحسب قراءات المحللين، فإن اللجوء لانتخابات ثالثة، أو ربما أكثر خلال عام واحد، يمثّل خللاً بنيوياً وعجزاً هيكلياً في جسد الكيان الصهيوني. فالحكومة المصابة بالشلل، والمقيدة بأغلال صراعاتها الداخلية المستعصية، ستكون أضعف من أن تتخذ قرارات مصيرية كبرى، كإشعال فتيل حروب جديدة، أو الإقدام على خطوات استفزازية واسعة النطاق في ملفي الضم والاستيطان.
وخلاصة القول، إن ما يعتمل اليوم في المشهد السياسي للكيان يتجاوز كونه مجرد استحقاق انتخابي عابر؛ بل هو تحولٌ بنيوي عميق يُنذر بانهيار النموذج التقليدي لحكم اليمين، ذلك النموذج الذي أحكم قبضته وبسط هيمنته المطلقة على الساحة السياسية لعقد كامل من الزمان. فاليمين الذي شيّد بنيانه على ثالوث “الأمن - الاستيطان - القيادة الفولاذية”، يجد نفسه اليوم يتخبط في أتون طموحات قادته الصاعدين، ومخاوف تشظي قاعدته الجماهيرية، فضلاً عن هاجس نتنياهو الشخصي من دخول السجن وفقدان الحصانة.
