الوقت- لم يعد مجلس الأمن في الملف اليمني هيئةً لـ"حماية السلام"، بل تحوّل إلى منصة سياسية تُدار بمنطق القوة والنفوذ. فمنذ سنوات، يتعامل المجلس مع اليمن بعينٍ واحدة: يرى ما يصدر من صنعاء، ويتجاهل ما تعرّض له اليمن من قصف وحصار وتدمير للبنية التحتية وسقوط آلاف المدنيين. وعندما ترد صنعاء على اعتداءات استمرت سنوات، يسارع المجلس إلى إصدار بيانات الإدانة والتحذير، بينما تختفي الجرائم الأوسع خلف عبارات غامضة عن الدفاع عن النفس والأمن الإقليمي. هذه ليست حيادًا، بل ازدواجية مكشوفة، وليست مهنية، بل انتقائية تخدم السعودية وحلفاءها. إن مجلسًا يرى الصاروخ ولا يرى القنبلة، ويدافع عن الملاحة ولا يسأل عن حصار شعب بأكمله، لا يستطيع ادعاء العدالة. لقد أصبح المجلس جزءًا من المشكلة، لأنه يمنح المعتدي غطاءً سياسيًا ويضع الضحية في قفص الاتهام.
مجلس الأمن.. إدانةٌ انتقائية وتجريمٌ لصنعاء
يكشف البيان الأخير لمجلس الأمن عن حقيقة لم تعد قابلةً للتجميل المجلس لا يتعامل مع العدوان على اليمن بوصفه حربًا متكاملة، بل ينتقي منها ما يخدم روايةً سياسية محددة. فهو يدين الهجمات الصاروخية، ويتحدث عن السفن التجارية وحرية الملاحة، ويطالب صنعاء بوقف التصعيد، لكنه لا يقدّم في المقابل موقفًا مماثلًا من سنوات القصف والحصار والدمار الذي أصاب اليمن. وكأن دماء اليمنيين أقل أهمية من حركة السفن، وكأن تدمير المنازل والمطارات والموانئ والمستشفيات لا يمثل تهديدًا للأمن والسلام.
إن هذه الصياغة الأحادية لا تبحث عن جذور الأزمة، بل تقطع الأحداث عن سياقها، ثم تقدم ردود الفعل باعتبارها أصل المشكلة. وبذلك يتحول مجلس الأمن إلى جهة تصدر الأحكام قبل أن تستمع إلى الضحية. فبدل أن يسأل: لماذا وصلت الأزمة إلى هذا المستوى؟ ومن الذي أغلق المنافذ؟ ومن الذي دمّر المنشآت؟ يكتفي بإدانة صنعاء وتكرار الخطاب الذي تريده الرياض وواشنطن. هذه ليست وساطة دولية، بل عملية سياسية لتجريم اليمن وإعفاء المعتدين من المسؤولية.
سيادة اليمن في البيانات فقط
يتحدث مجلس الأمن عن سيادة اليمن واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه، لكن هذه العبارات تفقد معناها عندما تُستخدم انتقائيًا. فالسيادة التي يتغنى بها المجلس لم تمنع التدخل العسكري، ولا القصف، ولا الحصار، ولا التحكم في المطارات والموانئ، ولا تعطيل وصول الغذاء والدواء والوقود. وإذا كانت سيادة اليمن مبدأً حقيقيًا، فلماذا لم يتعامل المجلس مع الانتهاكات التي طالتها بالجدية نفسها التي يتعامل بها مع الهجمات القادمة من صنعاء؟
إن التناقض هنا فاضح إلى حد الإهانة. لا يمكن لمؤسسة دولية أن تتحدث عن القانون الدولي وهي تتجاهل آثار الحرب على المدنيين، ثم تستدعي القانون نفسه عندما يتعلق الأمر بحماية المصالح السعودية أو حرية الملاحة. لا يمكنها أن تطالب باحترام الأراضي اليمنية، بينما تصمت عن سنوات من الضربات التي جعلت مدنًا ومناطق كاملة تدفع ثمن صراع لم يختره سكانها.
لقد دُمرت مدارس ومستشفيات وطرق ومطارات ومصانع ومرافق خدمية، وانهارت قطاعات أساسية من الاقتصاد اليمني، ومع ذلك لم يتحول هذا الدمار إلى أولوية في جدول أعمال المجلس. إن السيادة التي لا تُحمى إلا عندما تخدم مصالح الأقوياء ليست سيادة، بل شعار دبلوماسي فارغ يُستخدم لتبرير موقف سياسي جاهز.
السعودية وقطر.. ترحيبٌ بالبيان وتجاهلٌ لمعاناة اليمن
يأتي ترحيب السعودية ببيان مجلس الأمن بوصفه امتدادًا طبيعيًا لخطاب يركّز على حقها في الدفاع عن نفسها، لكنه يتجاهل السؤال الأهم: من يتحمل مسؤولية سنوات الحرب والحصار والدمار في اليمن؟ فالدفاع عن النفس لا يمكن أن يتحول إلى تفويض مفتوح لاستخدام القوة، ولا يجوز أن يصبح ذريعةً لإخفاء آثار العمليات العسكرية أو إسقاط المسؤولية عن الضحايا.
أما قطر، فإن إعلان تضامنها الكامل مع السعودية، والقول إن أمن السعودية جزء من أمن قطر ودول مجلس التعاون، يكشف أن الأولوية ليست لمعاناة اليمنيين، بل لتماسك الموقف الخليجي. فحين تتضامن الدوحة مع الرياض دون أن تربط ذلك بضرورة حماية المدنيين اليمنيين ورفع القيود عن الموانئ والمطارات، فإنها تقدم التضامن السياسي على العدالة الإنسانية.
المشكلة ليست في أن تعلن الدول مواقفها، بل في أن تتحول هذه المواقف إلى غطاء يبرر تجاهل مأساة شعب. لقد رحبت السعودية وقطر ببيان يخدم روايتهما، بينما لم يظهر في موقفيهما ما يكفي من الاعتراف بالدمار الذي أصاب اليمن. وهنا تتضح شبكة المصالح: مجلس الأمن يمنح الغطاء السياسي، والرياض والدوحة تمنحانه الترحيب، أما اليمنيون فيدفعون الثمن من دمائهم وأمنهم ومستقبلهم.
سجلٌّ طويل من الانحياز لا من السلام
عند مراجعة مواقف مجلس الأمن السابقة تجاه اليمن، يبرز نمط متكرر لا يمكن اعتباره صدفة: إدانةٌ مركزة لما يصدر من صنعاء، وصمتٌ أو تمييعٌ لما تسببت به الحرب والحصار. وقد ساهم هذا النهج في تحويل المجلس من طرف يفترض أن يسعى إلى التسوية إلى طرف يفرض روايةً سياسية منحازة. فبدل أن يضغط على جميع الأطراف بالقدر نفسه، تعامل مع اليمن باعتباره مصدر المشكلة، ومع السعودية باعتبارها طرفًا يملك حق الشكوى والحماية.
هذا الانحياز أضعف فرص السلام، لأن السلام لا يمكن أن يقوم على إدانة طرف واحد وإعفاء الطرف الآخر. ولا يمكن بناء تسوية حقيقية ما دام المجلس يتعامل مع المطالب اليمنية بوصفها تهديدًا، ومع المطالب السعودية بوصفها أمنًا مشروعًا. إن تجاهل معاناة الشعب اليمني لا ينهي الأزمة، بل يراكم الغضب ويدفع الصراع إلى جولات جديدة.
لقد فشل المجلس في أداء دوره الأخلاقي والسياسي، لأنه لم يضع حماية المدنيين في مقدمة أولوياته، ولم يفتح تحقيقًا جادًا في آثار الحرب، ولم يواجه الحصار بصرامة، ولم يطالب المعتدين بتحمل مسؤولياتهم. لذلك، فإن بياناته لا تبدو اليوم رسائل سلام، بل أوراق اتهام موجّهة إلى صنعاء، وشهادات تبرئة مجانية للرياض وحلفائها. وهذا هو جوهر التناقض: مجلسٌ يزعم حماية القانون، لكنه يمارس القانون بميزانين.
سقوط الأقنعة وازدواجية المعايير
إن ما نشهده اليوم في أروقة مجلس الأمن ليس مجرد خلل دبلوماسي، بل هو سقوط أخلاقي مدوٍّ يكرس مفهوم ازدواجية المعايير في أبشع صورها. لقد بات من الواضح أن موازين العدالة الدولية في الملف اليمني قد اختلت، حيث يُستخدم القانون الدولي كسلاح لتقييد إرادة اليمن في الدفاع عن نفسه، وكدرع يحمي المعتدين من عواقب أفعالهم. إن هذا المجلس الذي يضج بالتحذيرات من أي رد فعل يمني، يمارس صمتاً مريباً تجاه سنوات الحصار التي تقتل الأطفال جوعاً، وتجاه الدمار الذي طال كل مقومات الحياة؛ هو مجلسٌ لم يعد يبحث عن السلام، بل بات يُدير عملية صنع لواقع سياسي يخدم القوى المهيمنة فقط. إن استمرار هذا النهج الانتقائي الذي يرى التهديد في دفاع الضحية ولا يراه في عدوان الجلاد، هو إعلان صريح عن موت الحياد الدولي. إن التاريخ لن يذكر مجلس الأمن كحارس للسلم، بل سيذكره كشريكٍ في الجريمة، ومؤسسةٍ أثبتت أن القانون الدولي ليس سوى أداة طيعة في يد من يملك القوة، لتمرير أجنداته على حساب دماء الشعوب المظلومة وصمودها الأسطوري.
