موقع الوقت التحليلي الإخباري | Alwaght Website

إخترنا لكم

أخبار

الأكثر قراءة

اليوم الأسبوع الشهر

ملفات

النظام الأمني للخليج الفارسي

النظام الأمني للخليج الفارسي

undefined
مسار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية

مسار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية

undefined
العدوان السعودي على اليمن

العدوان السعودي على اليمن

undefined
صفقة القرن

صفقة القرن

undefined
الخلافات التركية - الأمريكية

الخلافات التركية - الأمريكية

undefined
یوم القدس العالمی

یوم القدس العالمی

ادعو جمیع مسلمی العالم الی اعتبار اخر جمعة من شهر رمضان المبارک التی هی من ایام القدر ویمکن ان تکون حاسمة فی تعیین مصیر الشعب الفلسطینی یوماً للقدس، وان یعلنوا من خلال مراسم الاتحاد العالمی للمسلمین دفاعهم عن الحقوق القانونیة للشعب الفلسطینی المسلم
العلویون

العلویون

الطائفة العلویة، هی من الطوائف الإسلامیة التی قلَّ الحدیث عنها. وقد لاقت هذه الطائفة وعلی مرِّ التاریخ، الکثیر من الإضطهاد والحرمان، وهو ما لم تُلاقه طائفة أخری أبداً. حتی أدی هذا الإضطهاد إلی فصلهم عن المرجعیات الإسلامیة الأخری. ولذلک نحاول فی هذا المقال تسلیط الضوء علی نشأة الطائفة وکیفیة تأسیسها، الی جانب الإضاءة علی بعض أصولها الفکریة.
المسيحيون في سوريا

المسيحيون في سوريا

undefined
الدروز

الدروز

الدروز أو الموحدون الدروز، إحدی الطوائف الإسلامیة التی تأسست فی مصر عام 1021 وانتقلت إلی بلاد الشام (سوریا-لبنان-فلسطین المحتلة) فی مرحلة لاحقة.
New node

New node

بالخريطة...آخر التطورات الميدانية في سوريا واليمن والعراق
alwaght.net
مقالات

هدنةٌ على الورق وحربٌ في نسيج الحياة… غزة تتأرجح بين الموت والتلوّث والظمأ

الأحد 2 ربيع الاول 1448
هدنةٌ على الورق وحربٌ في نسيج الحياة… غزة تتأرجح بين الموت والتلوّث والظمأ

الوقت- في الآونة الأخيرة، أزاح مقرر الأمم المتحدة الستار عن فاجعةٍ تدمي القلوب، كاشفاً عن استشهاد ما لا يقل عن 300 طفل فلسطيني خلال 300 يومٍ تلت إعلان هدنة أكتوبر/تشرين الأول 2025 في غزة. إن هذا الإحصاء المفجع يرسم صورةً بالغة الوضوح للهوة السحيقة بين الخطاب الدبلوماسي وحقيقة المعاناة التي يتجرعها أهالي هذا القطاع المنهك بويلات الحروب؛ ففي كل يوم تسيل دماء طفلٍ بريء، في حقبةٍ كان يُفترض أن تُتوّج بوقف الأعمال العدائية وانحسار العنف.

وهذه المأساة الممتدة لا تعدو كونها غيضاً من فيض المشهد العام في غزة، والذي تتشابك فيه خيوط الكارثة لتشمل: استعار الهجمات دون هوادة، وانهيار البنى التحتية الطبية، وتفاقم أزمة النزوح الجماعي، وشحّ الغذاء والماء، وتفشي الأوبئة والأمراض، فضلاً عن إبادة الأراضي الزراعية وتآكل القدرة على تقديم أبسط الخدمات العامة.

نزيفٌ لا ينضب… هدنةٌ معبّدةٌ بآلاف الضحايا

بحسب ما أعلنته وزارة الصحة في قطاع غزة، فقد شهدت الساعات الأربع والعشرون الماضية وحدها ارتقاء شهيد فلسطيني على الأقل وإصابة سبعة آخرين. كما أفصحت الوزارة عينها أن الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على القطاع، منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ في العام المنصرم، قد أسفرت عن استشهاد 1,260 فلسطينياً وإصابة 4,154 آخرين بجروح.

وفي السياق ذاته، أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، مستنداً إلى بيانات وزارة الصحة الغزية، أنه منذ انطلاق شرارة تلك الهدنة المزعومة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أُزهقت أرواح 1,209 فلسطينيين على أقل تقدير، بينما طالت الجراح 3,943 آخرين.

وعلى نطاقٍ أرحب وأكثر قتامةً، تُظهر إحصاءات وزارة الصحة أن آلة الحرب الإسرائيلية، منذ اندلاعها في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى يومنا هذا، قد حصدت أرواح ما يربو على 73,389 شهيداً، وخلّفت وراءها 174,266 جريحاً. ومما سلف، يتجلى بوضوح أن الحقبة التي كان يُراد لها أن تُتخذ وساماً تحت مسمى “الهدنة”، ما زالت تنضح بخسائر بشرية فادحة تندى لها الجبين.

الأطفال… قرابين الهدنة المزعومة

ولا ريب أن موت الأطفال ليس سوى قمة جبل الجليد الطافية من هذه الأزمة الطاحنة. فقد دقّت منظمة “اليونيسف” ناقوس الخطر، كاشفةً عن إصابة مئات الأطفال، يقاسي الكثير منهم جراحاً غائرةً وتشوهاتٍ سترافقهم كظلهم لأمدٍ بعيد.

وفي غزة، لا يُعد انتشال طفلٍ من تحت أنقاض الانفجار نهايةً للمطاف أو ختاماً للمأساة. فالعجز الصارخ في المستلزمات الطبية، والأدوية، والكوادر الطبية التخصصية، قد ضيّق الخناق بشدة على فرص العلاج والتأهيل. فالطفل الذي يُكتب له عمرٌ جديد وينجو من نيران قصفٍ غادر، قد يجد نفسه في أمسّ الحاجة لسلسلة من العمليات الجراحية المعقدة، وبرامج التأهيل الجسدي، والأطراف الصناعية، فضلاً عن الدعم النفسي المكثف لمداواة جراح الصدمات العميقة؛ وهي خدماتٌ غدا توفيرها ضرباً من المستحيل في ظل نظامٍ صحي متهالك يئنّ تحت وطأة الضغوط.

ومن الشواهد الصارخة على هذا التردي، تدمير مستودع المستلزمات الطبية المتاخم لمستشفى شهداء الأقصى في دير البلح. فاستناداً إلى التقارير الإنسانية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، فقد التهمت نيران هذا الحادث جزءاً مقدّراً من العتاد الطبي، بما في ذلك إمداداتٌ حيوية شقّت طريقها إلى غزة عبر قنوات المنظمة ذاتها.

وفي خضم بيئةٍ يعاني فيها القطاع الصحي الغزّي من شحٍّ مدقع في الموارد، فإن إبادة مستودعٍ للمعدات لا تُترجم مجرد خسارة لبعض الأدوات؛ بل هي فاجعةٌ تلقي بظلالها الكئيبة على إمكانيات إجراء العمليات الجراحية، وعلاج الجرحى، وخدمات رعاية الأمومة، ومتابعة أصحاب الأمراض المزمنة، وتُشلّ معها قدرة المستشفيات على تلبية نداءات الاستغاثة في الكوارث المحدقة.

كان حرياً بهذه الهدنة أن تمنح المستشفيات متنفساً للملمة جراحها واستعادة عافيتها. ولكن، حين تظل المراکز الطبية ومخازن الأدوية في مرمى الاستهداف وتحت رحمة الهشاشة، فإن المنظومة الصحية تنزلق لتصبح ساحةً أخرى من ساحات الكارثة. فالتمتع بالحق في الصحة لا يقتصر على مجرد تشييد الجدران وتوفير الأطباء؛ بل إن شرايين الحياة الطبية لا تنبض إلا بتوافر الدواء، والمعدات، والتيار الكهربائي، والوقود، وسيارات الإسعاف، وضمان ممرات آمنة لتنقل المرضى والطواقم الطبية على حد سواء لتأدية رسالتهم الإنسانية.

«الخط الأصفر»… تخومٌ تُكبّل أنفاس الحياة المدنية

إلى جانب غوائل القصف المستعرة، برز «الخط الأصفر» كأحد أبرز المعالم القاتمة للمشهد الغزّي في حقبة ما بعد الهدنة. فهذا الخط المبهم، الذي استحال آفةً تنغّص على الأهالي يومياتهم، لا يقتصر كونه مجرد علامة عسكرية جافة خُطّت على الخرائط؛ بل هو طوقٌ يخنق سُبل وصولهم إلى ديارهم، وحقولهم، وأسواقهم، ومرافقهم العامة، ومراكز الإغاثة التي تُبقيهم على قيد الحياة.

فالعائلات التي تُكابد العناء للعودة إلى مناطقها المدمرة، أو تلك التي تستميت لبلوغ أراضيها الزراعية سعياً وراء لقمة العيش، تجد نفسها وجهاً لوجه أمام نطاقاتٍ جغرافية تتسم حدودها بالضبابية في أعين المدنيين. وفي خضم هذا الواقع الملغّم، قد يُفضي الاقتراب من تخومٍ محظورة غير مرئية إلى استمطار رصاص الجنود الإسرائيليين، ليُكتب على المدنيين سطرٌ جديدٌ من سطور الموت.

وفي هذا الصدد، أطلقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة و"إسرائيل" صرخةَ تحذير، مؤكدةً أن مسلسل قتل الأطفال وإصابتهم لم ينقطع بعد هدنة أكتوبر/تشرين الأول 2025، بل إن بعض الحالات شهدت استهدافاً مباشراً لبراءة الأطفال لمجرد اقترابهم من ذاك «الخط الأصفر» المشؤوم.

إن هذا المشهد القاتم يُميط اللثام عن معضلة أكثر تجذراً واتساعاً؛ فأبناء غزة يحيون في بقعة من الأرض صُودرت فيها حرية الحركة، وباتت معالم المناطق المحظورة فيها طلاسم يصعب على المدنيين فك شفرتها، حيث قد يُدفع ثمن عبور نطاقٍ ما دماً وأرواحاً. وفي ظل هذه المعطيات، فإن الهدنة، بدلاً من أن تُمهد الطريق لعودة الحياة إلى مجاريها الطبيعية، قد استحالت إلى منظومةٍ قمعية تُكرّس القيود، وتزرع انعدام الأمن، وتُديم حالة التيه واللايقين.

1.7 مليون نازح… أزمةُ مأوى أم مأساةُ حياة؟

لقد تمخّض هذا الوضع، وبشكل مباشر، عن انكماش الفضاء الحيوي القابل للعيش بالنسبة للمدنيين. فاستناداً إلى التقييمات الإنسانية، التجأ بحلول أواخر يونيو/حزيران قرابة 1.7 مليون فلسطيني إلى أكثر من 1,600 بؤرة للنزوح. كما أحصى تقييم “مجموعة إدارة المخيمات” (SMC) نحو 1,591 موقع نزوحٍ نشط، تأوي بين جنباتها حوالي مليون و700 ألف نسمة، يتوزعون على 354,550 عائلة كابدت مرارة التهجير.

وتغلب صفة “التأقيت” على ما يقرب من 83% من هذه المواقع؛ فهي في جوهرها بؤرٌ عشوائية، أو ساحاتٌ مفتوحة، أو خيامٌ بالية تفتقر لأدنى مقومات الخدمات والبنى التحتية الأساسية. بينما تشكل المراكز الجماعية، كالمدارس والمباني العامة، قرابة 11% منها، في حين يتناثر بقية السكان في أحياء سكنية متفرقة. إن هذه الأرقام تنطق بحقيقةٍ مفزعة؛ وهي أن النزوح قد كشّر عن أنيابه ليغدو واقعاً مريراً ومستداماً يجثم على صدور مئات الآلاف من العائلات.

وتفترش نحو 7,700 عائلة، تضم في كنفها قرابة 38,500 نسمة، العراء وتلتحف السماء، مجردةً من خيمةٍ أو أي شكلٍ من أشكال المأوى الذي يقيها غوائل الطبيعة. وفي توازٍ مع هذه المأساة، تقف أكثر من 136,000 عائلة (ما يعادل 680 ألف شخص) خاوية الوفاض، إذ لم تطرق بابها أيُّ مساعدات تتعلق بالإيواء طيلة الأشهر الستة المنصرمة.

ولم يزد التكدّس والاكتظاظ الطين إلا بلةً؛ ففي المتوسط، يتكدّس ستة أشخاص في الخيمة الواحدة، في حين أن الخيام الإنسانية صُممت لتتسع لخمسة أفراد فقط. وما يزيد المشهد قتامةً، أن أكثر من 59 ألف خيمة تغصّ بما يربو على ثمانية أشخاص في كل منها؛ وهو واقعٌ بائس استلاب من العائلات الحد الأدنى من خصوصيتها، وأجّج نيران الضغوط النفسية والاجتماعية، ورفع منسوب المخاطر الأمنية والأخلاقية، لا سيما تلك التي تتربص بالنساء والأطفال.

الزراعة… سلةُ غزة الغذائية تُدفن تحت الأنقاض

ولا ينفصل جرح النزوح الغائر عن مأساة إبادة سُبل العيش. فالمناطق الشرقية لقطاع غزة، التي كانت تُعد قبل اندلاع شرارة الحرب شرياناً زراعياً حيوياً وجزءاً أصيلاً من السلة الغذائية للقطاع، قد طالتها يد الخراب والدمار الشامل، وباتت أجزاء واسعة منها رهينةً لسطوة «الخط الأصفر».

لقد استحالت مساحاتٌ شاسعة من الأراضي الخصبة إلى سرابٍ يتعذر بلوغه، في حين أمعن القصف العنيف والاستخدام المفرط للمتفجرات في تسميم تُربة الأرض وتدمير أوصال البنية التحتية الزراعية. وفي كفةٍ أخرى من المعاناة، أفضت القيود الصارمة المفروضة على إدخال المستلزمات الحيوية إلى إغراق المزارعين في دوامة من الشح الحاد في البذور، والأسمدة، والمعدات، وسائر المدخلات الزراعية الضرورية.

ولم تسلم الثروة الحيوانية من هذا الانهيار العميم؛ إذ تهاوت أعداد المواشي الحية بشكل مروع، في حين حلّقت تكاليف الأعلاف ورعاية القطعان إلى مستويات فلكية. وكنتيجة حتمية لهذا التردي، قفزت أسعار الماشية إلى مستوياتٍ غير مسبوقة تلامس حد الجنون. فالخروف الذي كان يُباع قُبيل الحرب بنحو 500 دولار، بات يُتداول اليوم بأسعار تناهز 6,000 دولار؛ وهو ثمنٌ أقصى اللحوم والبروتين الحيواني، عملياً، عن موائد الشريحة الأعظم من العائلات، وجعلها حلماً بعيد المنال.

وتتجلى صورة أخرى من صور الغلاء الفاحش للغذاء في أسعار البيض؛ إذ قفز سعر طبق البيض (المكون من 30 بيضة) من قرابة 12 شيكلاً (نحو 4 دولارات) قبل الحرب، ليبلغ سقف الـ 75 شيكلاً (نحو 25 دولاراً). إن هذه القفزة الجنونية، في ظل انعدام مصادر الدخل وتبخر سبل العيش، تلقي بحملٍ ثقيل وضغطٍ مضاعف يكسر ظهور العائلات المنهكة.

إسقاط لافتة “المجاعة”… ليس إيذاناً بانقشاع غيوم الأزمة الغذائية

في ديسمبر/كانون الأول من عام 2025، أقدمت “مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC) على رفع تصنيف “المجاعة” عن قطاع غزة. بَيْدَ أن تجريد المشهد من هذه اللافتة لا يعني البتة انقضاء عهد انعدام الأمن الغذائي أو زوال الكابوس. فقد أماط التقييم اللاحق للمبادرة اللثام عن حقيقة مفجعة؛ إذ رزح أكثر من 1.2 مليون نسمة - أي ما يعادل 59% من سكان القطاع - بين منتصف أبريل/نيسان وأواخر يونيو/حزيران، تحت وطأة “المرحلة الثالثة” أو ما يفوقها قسوةً من مستويات انعدام الأمن الغذائي الطاحن.

ومن بين ثنايا هذا الرقم الصادم، يقبع نحو 212 ألف إنسان في أتون “المرحلة الرابعة”، وهي مرحلة “الطوارئ” التي تقف على شفا الهلاك. وعليه، فحتى وإن طُوِي السجل الرسمي لمصطلح “المجاعة”، فإن شريحةً عريضةً من الغزيين لا تزال تتلوّى في براثن أزمةٍ مستعصية، وتكابد الأمرين للحصول على الغذاء.

المياه العذبة… سبعون بالمائة من العائلات دون خط الكفاف

لا تقتصر فصول المأساة الغزية على الجوع الكافر فحسب؛ بل استحالت قطرة الماء النقيّة هماً يؤرق المضاجع، ومسألة حياة أو موت تتوقف عليها أنفاس البقاء. ووفقاً لتقارير منظمة الصحة العالمية، فإن ما يربو على 70% من العائلات تقف عاجزةً عن توفير ستة لترات من الماء للفرد الواحد يومياً، لسد رمق العطش وتهيئة المأكل؛ وهي كمية هزيلة لا ترقى حتى لنصف الحاجة الدنيا للإنسان في أعتى ظروف الطوارئ.

وتتخذ هذه الكارثة في مدينة غزة أبعاداً أكثر قتامةً وضراوةً. فقد نقلت وكالة “النجاح” الإخبارية عن السيد حسني مهنا، المتحدث باسم بلدية غزة، صرخته المدوية بأن المدينة تئن تحت وطأة عجزٍ مائي يتجاوز عتبة الـ 70%. وأوضح مهنا أن شرايين المدينة تحتاج يومياً إلى قرابة 100 ألف متر مكعب من المياه لتبقى نابضةً بالحياة، غير أنه في أحسن الأحوال وأكثرها تفاؤلاً، لا يتوفر سوى 15 إلى 20 ألف متر مكعب. ما يعني أن قطرات الماء المتاحة، في ذروة تدفقها، بالكاد تسدّ 20% من الظمأ اليومي للمدينة.

وما زاد الطين بلةً، موجات الحر اللاهب التي صبّت زيتها على نار الأزمة. فجموع غفيرة من السكان والنازحين يلوذون بخيامٍ بالية تفتقر لأدنى مقومات العزل والتهوية. ووسط هذا الأتون، تضافرت ندرة المياه مع انقطاع التيار الكهربائي وتهاوي الخدمات الأساسية، لتجعل من استمرار الحياة ضرباً من العذاب الجحيمي.

بحر غزة يتجرّع 24 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يومياً

وتمضي أزمة الظمأ جنباً إلى جنب مع طوفان الصرف الصحي في مسارٍ مهلك. فقد دقّ مهنا ناقوس الخطر، محذراً من أن بحر غزة يُجبر يومياً على ابتلاع نحو 24 ألف متر مكعب من المياه العادمة؛ وهو سيلٌ ملوث يشكّل طعنةً نجلاء في صميم البيئة البحرية والشريط الساحلي.

وتتضاعف فداحة هذا الخطب إذا ما أدركنا أنه مع دمار السواد الأعظم من الساحات العامة والمتنزهات، غدا شاطئ البحر المتنفس الوحيد والملاذ الأخير المتبقي للسكان والنازحين، ليفروا إليه من ضيق حالهم.

علاوةً على ذلك، يأتي الارتفاع الحارق في درجات الحرارة ليعمّق الجراح البيئية الناجمة عن تكدس النفايات ومستنقعات الصرف الصحي. فالحرارة اللافحة تُسرّع من وتيرة تحلل القمامة، لتنشر روائح الموت وتُوقظ جحافل الحشرات والقوارض. ولا يقف الخطر عند هذا الحد؛ بل تتزايد احتمالات تسلل عصارة النفايات والسموم إلى جوف الأرض، في نذير شؤمٍ يتهدد مكامن المياه الجوفية، التي تمثّل شريان الحياة وأهم مصادر المياه في قطاع غزة، بالهلاك المحتوم.

تفشي الأوبئة في ظلال الاكتظاظ وانهيار المنظومة الصحية

لقد تضافرت عوامل التكدس الخانق في بؤر النزوح، وتهالك شبكات الصرف الصحي، وشح المياه النقية، وتآكل قدرات المنظومة الصحية، لتشعل فتيل خطر تفشي الأمراض المعدية وتزيده اشتعالاً. ففي غضون أسبوعين لا غير، أُرصدت قرابة 9,300 حالة إصابة بجدري الماء في أكثر من 130 مركزاً صحياً، واستأثرت مدينة خانيونس وحدها بأكثر من نصف هذه الحالات.

إن هذه الأرقام المفزعة تُدلل على أن أزمة الصحة العامة في غزة لا تقتصر على كونها أثراً مباشراً لآلة القصف فحسب؛ بل إن جحيم الحياة في أعقاب التهجير بات يُشكل بحد ذاته خنجراً مسموماً يهدد صحة الأهالي بشكل مباشر. فالاكتظاظ، وضيق الوصول إلى الماء، وتردي البيئة الصحية، وشح الخدمات العلاجية، قد تشابكت جميعها لتنسج حلقةً مفرغةً تتفشى فيها الأوبئة كالنار في الهشيم، في حين تغدو القدرة على كبح جماحها أشدّ وهناً وأكثر محدوديةً مما كانت عليه في الأيام الماضية.

بلدية غزة… الأزمة أعمق من مجرد شُحٍّ في قوافل الإغاثة

وفي خضم هذه الأزمة، أطلق المتحدث باسم بلدية غزة صرخة تحذير، مؤكداً أن مؤسسته لا تستجدي كمالياتٍ أو سلعاً ترفيهيةً، بل تسعی وراء مقومات البقاء الأساسية لضمان استمرار نبض الحياة وتقديم أبسط الخدمات العامة. وأردف “مهنا” قائلاً إن البلدية تكابد للعمل في بيئةٍ طال فيها الخراب والدمار أجزاءً واسعةً من بنيتها التحتية، ومنشآتها، وآلياتها، في الوقت الذي تتفاقم فيه احتياجات السكان والنازحين بوتيرة جنونية تفوق بأشواط ما يتوفر من موارد شحيحة.

ووفقاً لتصريحاته، فإن السماح بتدفق الوقود، وقطع الغيار، والزيوت، والمضخات، والأنابيب، ومواد الصيانة، ومعدات النظافة ورفع الأنقاض، ومواد البناء، يجب أن يُشكل الركيزة الأساسية لأي جهودٍ إنسانية تُبذل. وتكتسب هذه النقطة أهميةً بالغةً؛ فالغوث الإنساني لا يقتصر فحسب على إسقاط قوافل الغذاء، والماء، والدواء. فما دامت المضخات صامتةً، وشبكات المياه معطلةً، ووقود ضخ المياه مفقوداً، وما دامت معدات شفط الصرف الصحي وجمع النفايات مدمرةً، وآليات رفع الركام غائبةً، فإن تدفق أطنان من المساعدات لن يُجدي نفعاً في سدّ رمق احتياجات الأهالي بصورة مستدامة. بعبارةٍ أخرى، فإن الكارثة في غزة لا تنحصر في شح البضائع والمواد، بل تتعداها لتكون أزمة شللٍ تام في القدرة على تقديم الخدمات الحيوية.

التهجير القسري… وميزان القانون الدولي

إن ديمومة مأساة النزوح، والحيلولة دون عودة الأهالي إلى مناطقهم، جنباً إلى جنب مع سياسة الأرض المحروقة التي طالت المنازل والبنى التحتية المدنية، تضع التزامات القانون الدولي الإنساني أمام علامات استفهام كبرى. فبموجب المادة التاسعة والأربعين من اتفاقية جنيف الرابعة، يُحظر النقل الجبري والإبعاد للأشخاص المشمولين بالحماية من الأراضي المحتلة. وعلاوةً على ذلك، يقع على كاهل القوة القائمة بالاحتلال لزاماً حماية السكان المدنيين بأقصى طاقة ممكنة، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، وتذليل العقبات أمام وصول قوافل الغوث الإنساني إليهم.

وقد انبرت بعض المؤسسات الحقوقية، وعلى رأسها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان (PCHR)، لوضع هذا المشهد في إطار السياسات الإسرائيلية الأشمل الممارسة في غزة، مطلقةً صرخات التحذير من مغبة التداعيات الكارثية لاستمرار التهجير، وإبادة البنية التحتية، وحرمان الأهالي من أبسط مقومات العيش. كما ساقت هذه المؤسسات حججاً مفادها أن سلة الانتهاكات المتكاملة، بدءاً من التدمير الممنهج للمنازل والمرافق، ومروراً بتشديد الخناق على موارد الماء والغذاء والخدمات الطبية، وصولاً إلى خلق بيئةٍ طاردة تسلب المدنيين حقهم في الحياة الطبيعية والعودة، يجب أن توضع جميعها في ميزان التقييم ككتلة واحدة ومسارٍ متصل.

وقد وضعت هذه المنظمات تلك الممارسات تحت مجهر اتفاقية عام 1948 لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، مؤكدةً أن إخضاع جماعة ما لظروف معيشية قاسية، متى ما اقترن بإثبات النية المبيتة لتدمير تلك الجماعة كلياً أو جزئياً تدميراً مادياً، فإنه يندرج لا محالة ضمن قائمة الأفعال المحظورة المنصوص عليها في المادة الثانية من تلك الاتفاقية. غير أن البتّ القانوني القاطع فيما إذا كانت المآسي المرتكبة في غزة تستوفي كافة الأركان المادية والمعنوية لجريمة الإبادة الجماعية، يبقى رهن إثبات القصد الجنائي وغيره من العناصر القانونية من قِبل المرجعيات والهيئات القضائية ذات الاختصاص.

الهدنة… اتفاقٌ يُقاس بنبض الحياة اليومية

إن تضافر هذه المعطيات القاتمة يرسم لوحةً مغايرةً ومفزعةً للمفهوم المتعارف عليه لوقف إطلاق النار. فإذا كان في الحقبة التي يُفترض أن تصمت فيها لعلعة الرصاص، يُذبح 300 طفلٍ في غضون 300 يوم؛ ويُزهق روح 1,209 فلسطينيين على أقل تقدير وتُراق دماء 3,943 جريحاً؛ أو -وفقاً لبيانات المكتب الإعلامي بغزة- يرتقي 1,254 شهيداً، ويُصاب 4,121، ويُعتقل 159 آخرون؛ وتُسجل 4,091 واقعة انتهاكٍ للهدنة؛ ويُشرّد 1.7 مليون إنسان في أكثر من 1,591 بؤرة نزوح؛ وتبيت 7,700 عائلة تلتحف العراء بلا مأوى؛ وتُحرم أكثر من 136 ألف عائلة من مساعدات الإيواء؛ ويظل 1.2 مليون إنسان يصارعون شبح انعدام الأمن الغذائي عند مستوى الأزمة أو ما هو أدهى؛ وتعجز 70% من العائلات عن توفير الحد الأدنى من قطرات الماء؛ وتُلفظ 24 ألف متر مكعب من المياه العادمة يومياً في جوف البحر؛ فإن التساؤل الجوهري لم يعد يقتصر على ما إذا كان هناك صكٌ سياسي يحمل اسم “وقف إطلاق النار” أم لا.

بل إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة هو: إلى أي مدى أفلحت هذه الهدنة المزعومة في استرداد مسلوب الأمن وإعادة حق الحياة للمدنيين العُزّل؟ إن الميزان الحقيقي لأي هدنةٍ يجب أن يُستقرأ من تفاصيل الحياة اليومية للناس: هل كُتب للأطفال أن يعيشوا؟ هل يُسمح للعائلات بمعانقة أطلال منازلها؟ هل باتت المستشفيات قادرةً على بلسمة جراح مرضاها؟ هل توافر الخبز والماء؟ هل عادت الأراضي الزراعية صالحةً للحرث؟ وهل بمقدور الناس أن يخطوا خطواتهم لتأمين أبسط رمق العيش دون أن تتملّكهم خشية المرور فوق خطٍ وهمي للموت؟

وفي غزة، لا تزال الإجابة عن الشق الأكبر من هذه التساؤلات هي: “لا” قاطعة ومفجعة. ومن هذا المنطلق، فإذا كانت الهدنة مجرد غطاءٍ تستمر تحته آلة قتل الأطفال، ويُطال فيه أمد تشريد العائلات، وتبقى فيه المستشفيات عرضةً للاستهداف وتئن تحت وطأة شح المعدات، ويستحيل فيه تأمين قطرة ماءٍ أو كسرة خبز، وتظل فيه البنى التحتية الحيوية جثثاً هامدةً؛ فإن ما يجري على أرض الواقع لا يمتّ بصلةٍ إلى “نهاية الحرب”، بل هو في حقيقته مجرد تحورٍ خبيث في شكل العنف وشدته، وتكريسٌ مستدام للكارثة الإنسانية.

 

كلمات مفتاحية :

قطاع غزة الهدنة المعاناة تفشي الأوبئة المستلزمات الطبية الأطفال مستلزمات الحياة

التعليقات
الاسم :
البريد الالكتروني :
* النص :
إرسال

ألبوم صور وفيدئو

ألبوم صور

فيديوهات

مراسم وداع الإمام الشهيد للأمة

مراسم وداع الإمام الشهيد للأمة