الوقت - لا يمكن النظر إلى الأزمة المحيطة بحاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن على أنها مجرد مسألة تتعلق برفاهية الطاقم أو مشاكل داخلية لوحدة عسكرية. إن سلسلة التقارير التي نُشرت في الأسابيع الأخيرة حول الحالة النفسية للبحارة، والتمديد غير المسبوق للمهمة، وقرار البحرية الأمريكية في نهاية المطاف باستبدال السفينة، تُقدم صورة لمشكلة أعمق: فالحرب والانتشار العسكري المطوّل، حتى بالنسبة لجيش يتمتع بقدرات لوجستية واسعة، قد يؤديان إلى استنزاف رأس المال البشري باستمرار العمليات.
ووفقًا لتقارير نُشرت في صحيفة "نيفي تايمز"، فقد كانت أبراهام لينكولن في مهمة لأكثر من 265 يومًا متواصلة وعلى متنها حوالي 5000 بحار وجندي من مشاة البحرية، وهي مهمة كانت مُخططًا لها في الأصل لمنطقة المحيط الهادئ، ولكن تم تحويلها بسبب التطورات الأمنية في الشرق الأوسط، والتمديدات المتكررة في ذلك الوقت جعلت عودة الطاقم أمرًا غير مؤكد. يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة من منظور عسكري، لأن حاملة الطائرات ليست مجرد سفينة، بل هي منظومة قتالية متنقلة يجب أن يُبقيها آلاف الأفراد جاهزة للعمل على مدار الساعة.
وقد تناولت صحيفة "ستارز آند سترايبس" في تقاريرها ضغوط هذا الانتشار الطويل ومخاوف عائلات الطاقم. وتحدثت العائلات في هذه التقارير عن تغيرات سلوكية، وإجهاد عاطفي، وإرهاق نفسي لدى البحارة. حتى أن أحد الأزواج نقل رسالة إلى زوجته أعرب فيها عن أمله في ألا يستيقظ في اليوم التالي. تكمن أهمية هذه الرواية في أن الأزمة لم تعد تقتصر على الإرهاق الوظيفي فحسب، بل امتدت لتشمل الصحة النفسية والقدرة على مواصلة الخدمة.
تجدر الإشارة إلى أن التقارير الإعلامية تشير أيضًا إلى أن عددًا من البحارة حاولوا القفز من على متن حاملة الطائرات، وفي بعض الحالات، منعهم زملاؤهم من ذلك.
كما تحدثت زوجة أحد البحارة، أنابيل لوما، عن تصرفات زوجها بعد تمديد مهمته مرارًا وتكرارًا، وعن مخاوفها بشأن التداعيات الإدارية والمهنية لهذا الوضع. تشير هذه الحالات، في حال تأكيدها رسميًا، إلى أن الضغط العملياتي لم يقتصر على انخفاض الروح المعنوية، بل وصل في بعض الحالات إلى نقطة حرجة.
وهنا تكمن نقطة مهمة: لم تؤكد البحرية الأمريكية نفسها رواية الأزمة بشكل كامل. فبحسب موقفها الرسمي، كما يتضح من التقارير المنشورة حول الموضوع، لم يُسجّل أي "زيادة" في حالات الأفكار أو المحاولات الانتحارية المُبلّغ عنها.
كما أكدت البحرية وجود مستشارين للصحة النفسية وقساوسة عسكريين على متن السفينة، وأن خدمات الدعم متاحة للطاقم. لذا، من منظور مهني، يجب التمييز بين "تقارير العائلات ووسائل الإعلام" و"إحصاءات البحرية الرسمية"، إلا أن هذا التناقض في الرواية أصبح بحد ذاته مشكلة جوهرية.
وتزداد هذه المشكلة أهميةً عندما نعلم أن المخاوف قد وصلت إلى الكونغرس الأمريكي. فقد طالب السيناتور ريتشارد بلومنتال بمحاسبة وزارة الدفاع على حالة الطاقم وكيفية إدارة هذه المهمة. وصف عضو الكونغرس مايك ليفين، في تصريحاته، الأوضاع التي وردت على متن السفينة بأنها غير مقبولة، وحذّر من مشاكل مثل نقص بعض المواد، وسوء حالة الحمامات والمراحيض، ومشاكل في المياه الساخنة والمرافق العامة.
وبالطبع، لا بدّ لنا في هذا السياق من التطرق إلى الموقف المعارض. فقد رفضت البحرية الأمريكية هذه الادعاءات، مؤكدةً أن الطاقم يحصل على مياه نظيفة، وتهوية مناسبة، ووجبات طعام. لذا، لا يمكن اعتبار جميع الادعاءات المتعلقة بسوء ظروف المعيشة حقائق قاطعة.
ومع ذلك، فإن التباينات بين روايات العائلات، وأعضاء الكونغرس، وقيادة البحرية، تشير إلى تزايد الضغط الاجتماعي والسياسي على البنتاغون لتوضيح ملابسات المهمة.
لكن التطور الأهم حدث عندما انتقلت القضية من مستوى التغطية الإعلامية إلى مرحلة اتخاذ القرارات العملياتية. فقد أفادت شبكة سي بي إس نيوز أن حاملة الطائرات الأمريكية جورج واشنطن، بعد مغادرتها فيتنام، كانت متجهة إلى الشرق الأوسط لتحل محل حاملة الطائرات أبراهام لينكولن. إذا نظرنا إلى هذا التغيير بالتزامن مع تمديد مهمة حاملة الطائرات "لينكولن" لمدة 265 يومًا، يُمكن اعتباره مؤشرًا على سعي البحرية الأمريكية لإعادة ضبط دورة الانتشار وتخفيف الضغط على الطاقم.
بالطبع، لا ينبغي تفسير استبدال سفينة على أنه انسحاب نهائي أو فشل عملياتي. فالبحرية الأمريكية تستخدم دائمًا آلية تناوب حاملات الطائرات للحفاظ على استمرارية وجودها. لكن الأهم هو أنه عندما تصل مدة المهمة إلى 265 يومًا، وتكثر التقارير عن الإرهاق النفسي واستياء العائلات، فإن الأمر لا يقتصر على مجرد تغيير الأسطول؛ بل يصبح التعامل مع استنزاف القوى العاملة ضرورة عملياتية.
من منظور استراتيجي، تُسلط هذه القصة الضوء على نقطة ضعف غير معروفة في القوة العسكرية الأمريكية.
تتمتع واشنطن بميزة كبيرة من حيث عدد حاملات الطائرات، والقوة الجوية، والخدمات اللوجستية العالمية، وشبكة القواعد، لكن هذه القوة لا تُجدي نفعًا إلا إذا كان الطاقم قادرًا على تحمل دورات الانتشار الطويلة. فحاملة الطائرات التي تفتقر إلى طاقم يتمتع باللياقة البدنية والنفسية، حتى وإن كانت جاهزة للعمليات من الناحية الفنية، لا يُمكنها الحفاظ على كامل قدراتها القتالية.
لهذا السبب، تُعدّ قضية حاملة الطائرات أبراهام لينكولن بالغة الأهمية، ليس فقط لمصير سفينة واحدة، بل لأنها تُظهر أنه في الحروب الطويلة والأزمات متعددة المستويات، قد يكون استنزاف الأفراد بنفس أهمية استنزاف المعدات. يمكن إصلاح الصواريخ والطائرات والسفن أو استبدالها، لكن الحفاظ على فعالية آلاف الأفراد وصحتهم النفسية وجاهزيتهم العملياتية أمرٌ أكثر تعقيدًا.
من جهة أخرى، تحمل عمليات تمديد المهام المتكررة رسالةً بالغة الأهمية لهيكل القيادة الأمريكية. فإذا بقيت سفينة في منطقة واحدة لفترة طويلة جدًا، فإنها لا تُرهق طاقمها فحسب، بل تؤثر أيضًا على دورة إعداد السفن الأخرى وإصلاحها وتدريبها وراحتها.
وبالتالي، يمكن أن يتحول الحفاظ على وجود عسكري طويل الأمد تدريجيًا من مسألة تكتيكية إلى مسألة إدارة قدرات استراتيجية.
في هذا السياق، يمكن اعتبار استبدال أبراهام لينكولن بجورج واشنطن شكلًا من أشكال إدارة الاستنزاف، وليس مجرد استبدال سفينة بأخرى. تسعى واشنطن إلى الحفاظ على وجودها، لكنها في الوقت نفسه مُجبرة على إدارة التكلفة البشرية لهذا الوجود. وهذان الهدفان ليسا متوافقين دائمًا. كلما طالت فترة الانتشار، ازداد الضغط على القوى العاملة، وكلما قصرت دورة تناوب السفن، ارتفعت التكاليف اللوجستية والتشغيلية للحفاظ على وجود عسكري مستدام.
تطرح قضية حاملة الطائرات أبراهام لينكولن سؤالًا جوهريًا للاستراتيجية العسكرية الأمريكية: هل تستطيع واشنطن الحفاظ على وجود عسكري متزامن طويل الأمد في مناطق متعددة دون استنزاف رأس المال البشري؟
تُسهم التقارير المنشورة في صحيفتي "نافي تايمز" و"ستارز آند سترايبس" حول الضغط النفسي ومخاوف العائلات، والمواقف الرسمية للبحرية بشأن عدم وجود زيادة ملحوظة في حالات الانتحار، وتصريحات أعضاء الكونغرس حول ظروف المعيشة على متن السفينة، وتقرير شبكة سي بي إس نيوز حول انتشار حاملة الطائرات جورج واشنطن، في توضيح الصورة. ويشير تجميع هذه البيانات إلى أن المشكلة الحقيقية لا تكمن بالضرورة في انهيار سفينة أو أزمة عامة في البحرية الأمريكية، بل في الكشف عن التكلفة البشرية لاستراتيجية الانتشار طويل الأمد في بيئات متوترة.
من هذا المنظور، يمكن اعتبار أبراهام لينكولن بمثابة تحذير استراتيجي بأن القوة البحرية الأمريكية لا تُقاس فقط بعدد حاملات الطائرات. تُعدّ القدرة البشرية على الحفاظ على وجود عسكري مستدام جزءًا لا يتجزأ من قوتها الحقيقية. فإذا ما طالت الحروب والمهام، قد يصبح هذا العنصر البشري أحد أهم القيود التي تحدّ من القوة العسكرية الأمريكية.
لذا، ينبغي النظر إلى قرار استبدال حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" من منظور يتجاوز مجرد نقل الأسطول بشكل روتيني. قد يُشير هذا الإجراء إلى سعي واشنطن للحفاظ على وجودها العسكري دون تكبّد خسائر فادحة في رأس المال البشري، وهو توازن سيزداد صعوبةً مع استمرار الأزمات الإقليمية.
