الوقت - في حين تصاعدت حدة الغارات الجوية التي يشنها الكيان الصهيوني على جنوب لبنان مجدداً، وأسفرت الموجة الأخيرة عن استشهاد ما لا يقل عن 11 مواطناً لبنانياً، بينهم ثلاثة أطفال، وإصابة 19 آخرين، اقتصر رد الحكومة اللبنانية في معظمه على الإدانة السياسية والجهود الدبلوماسية؛ وهو نهج يرى كثيرون أنه خلق فجوة خطيرة بين "الاحتجاج الرسمي" و"التحرك الفعلي لوقف العدوان".
وقد نُفذت الهجمات الجديدة التي شنها الكيان الصهيوني على لبنان في وقت كان من المفترض فيه، استناداً إلى اتفاق إطاري مدعوم من الولايات المتحدة، إرساء وقف إطلاق النار بين لبنان والكيان الصهيوني وبدء الانسحاب التدريجي للقوات الصهيونية من جنوب لبنان. مع ذلك، لم يوقف الكيان الصهيوني هجماته، بل أعلن استمرار وجوده العسكري في أجزاء من جنوب لبنان حتى يتم نزع سلاح حزب الله. وقد أدى هذا الموقف فعلياً إلى شلّ الاتفاق القائم. من جهة أخرى، التزمت الولايات المتحدة الصمت حيال العدوان الصهيوني على لبنان، ولم تتخذ أي إجراء لوقف هذه الاعتداءات.
إدانات رسمية، دون رادع
كان رد فعل الحكومة اللبنانية بارداً للغاية على الهجمات الصهيونية الأخيرة. فقد وصف رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام هجمات الكيان الصهيوني بأنها مجرد عمل ضد استقرار لبنان. كما وصف الرئيس جوزيف عون الهجمات بأنها تقوّض عملية التفاوض. إلا أن المشكلة الرئيسية تكمن في الفجوة بين هذه المواقف وقدرة الحكومة على تغيير الوضع الراهن.
في الواقع، استند نمط رد فعل بيروت في الأشهر الأخيرة بشكل رئيسي إلى ثلاثة محاور: إدانة الهجمات، ودعوة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي للضغط على الكيان الصهيوني، ومواصلة المفاوضات بوساطة واشنطن. في إحدى موجات الهجمات السابقة، أعلن الجيش اللبناني أن استمرار هجمات الكيان الصهيوني يهدف إلى عرقلة جهود استعادة الاستقرار في البلاد.
إلا أن هذه المواقف السلبية، بل وحتى محاولات التقارب مع الكيان الصهيوني عبر الموافقة على مفاوضات مباشرة معه، لم تفلح في منع استمرار الهجمات. فقد أظهر هجوم 5 أغسطس/آب، الذي أسفر عن استشهاد شخص وإصابة 12 آخرين، والهجمات الدامية التي وقعت في 15 أغسطس/آب، أن الأدوات الدبلوماسية للحكومة اللبنانية فشلت حتى الآن في وقف الكيان الصهيوني. ويأتي هذا على الرغم من عدم ممارسة الولايات المتحدة أي ضغط على الكيان الصهيوني لوقف هجماته على لبنان، إذ لا تزال الحكومة اللبنانية تأمل في مفاوضات بوساطة واشنطن، بدلاً من التعاون مع القوى الداخلية والمقاومة.
الثمن الذي يدفعه المواطنون
تشير التقارير إلى أنه بالإضافة إلى الخسائر البشرية، تسببت هجمات الكيان الصهيوني في أضرار جسيمة للمنازل والبنية التحتية والأراضي الزراعية ومراكز الخدمات. أفاد تقرير استقصائي لصحيفة فايننشال تايمز بالدمار الواسع الذي لحق بجنوب لبنان، وخلق وضعاً صعّب على بعض النازحين العودة. ويُقدّر التقرير تدمير عشرات الآلاف من المنازل، وأضراراً جسيمة لحقت بالبنية التحتية للمياه والطاقة.
في ظل هذه الظروف، لم تعد البيانات الحكومية الرسمية تُعتبر رداً كافياً لشريحة من المجتمع اللبناني. فالمسألة لا تقتصر على إدانة الحكومة اللبنانية للهجمات فحسب، بل السؤال الأهم هو ما ستكون عليه عواقب هذه الإدانة على أرض الواقع.
انتحار عون السياسي
أدى رد الفعل البارد للحكومة اللبنانية على هجمات واعتداءات الكيان الصهيوني إلى إضعاف حكومة بيروت، وقد يتحول هذا الوضع إلى أزمة شرعية للحكومة، لا سيما إذا استمرت الهجمات الصهيونية واستمر الجيش اللبناني في التقاعس عن التحرك والتصدي للصهيونيين.
في وقت سابق، انتقد الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله اللبناني، الحكومة اللبنانية خلال خطاب ألقاه بمناسبة ذكرى انتصار حزب الله في حرب 33 يومًا، قائلاً: "كان من المفترض أن ينتهي العدوان بالاتفاق المُبرم مع السلطات اللبنانية، لكن العدو الصهيوني لم يلتزم به، بينما أوفت المقاومة ولبنان بالتزاماتهما". وأضاف الشيخ قاسم: "نتيجةً لذلك، واجهنا 15 شهرًا من العدوان المتواصل، وإن كان بوتيرة منخفضة. وما زلنا نعتبر هذا الاتفاق ساريًا وإطارًا لأنشطتنا".
وتابع الأمين العام لحزب الله في لبنان: "للأسف، بدلًا من معالجة مسألة عدم التزام العدو الإسرائيلي باتفاق وقف إطلاق النار، ركزت السلطات اللبنانية فقط على أسلحة المقاومة واستهدفتها".
لا شك أن هذه الانتقادات من الأمين العام لحزب الله في لبنان ستؤدي إلى تراجع الدعم الشعبي للحكومة، التي أبدت حتى الآن مواقف باردة وسلبية للغاية تجاه عدوان الكيان الصهيوني، وقد تُفضي هذه المواقف السلبية إلى تراجع شرعية حكومة بيروت في المجتمع اللبناني.
