الوقت – إن محاولة دونالد ترامب، الرئيس الأميركي، جرّ إيران إلى عزلة اقتصادية تصطدم بعقبة كبرى: طهران ليست وحدها. فالعلاقات الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية العميقة التي تربط إيران بكلٍّ من الصين وروسيا تحدّ، إلى حدّ بعيد، من قدرة واشنطن على فرض حصار اقتصادي شامل عليها. وتؤكد قناة الجزيرة، في تقرير تحليلي، أنّ الضغط الأميركي على بكين وموسكو لقطع صلاتهما الاقتصادية بطهران، سيواجه عوائق جدّية.
وفي أحدث خطواته، هدّد ترامب بفرض عقوبات مالية على الدول التي تمنح إيران «شريان حياة اقتصادي»، متحدثاً عن عملية اقتصادية غير مسبوقة ضد طهران. غير أنّ الجزيرة ترى أنّ نجاح واشنطن في هذه الاستراتيجية يحتاج إلى تعاون قوى كبرى لا تبدي، هي نفسها، استعداداً للانخراط في السياسة الاقتصادية الأميركية.
ويعتقد بول ماسغريف، أستاذ جامعة جورجتاون، أنّ تنفيذ مثل هذه الحملة الضاغطة سيكون «بالغ الصعوبة»، لأن العقوبات المؤثرة على نطاق عالمي تحتاج عادةً إلى تنسيق متعدد الأطراف؛ في حين أنّ الصين وروسيا لا تتحركان اليوم ضمن الإطار الذي ترسمه السياسة الأميركية ضد إيران.
وتبقى الصين التحدي الأكبر أمام الولايات المتحدة. فبحسب بيانات شركة Kpler التي استندت إليها الجزيرة، اشترت الصين في عام 2025 نحو 80 في المئة من النفط الإيراني المُصدَّر. كما أنّ كثيراً من المصافي الصينية تعمل بصورة مستقلة، ولا ترتبط إلا بقدر محدود بالنظام المالي الأميركي؛ الأمر الذي يجعل معاقبتها أمراً غير يسير بالنسبة إلى واشنطن.
بل إنّ تهديد المصارف الصينية الكبرى بعقوبات ثانوية قد يرتّب على الولايات المتحدة أكلافاً باهظةً، إذ قد يدفع بكين إلى ردّ مضاد، في وقت تحاول فيه واشنطن ضبط التوتر الاقتصادي مع الصين ومنعه من الانفلات.
وتؤكد يو جي، الباحثة البارزة في «تشاتام هاوس»، أنّ تهديدات ترامب من غير المرجّح أن تغيّر مسار العلاقات التجارية القائمة بين الصين وإيران. كما أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية أنّ فرض مزيد من العقوبات ليس طريقاً لحلّ الأزمة، وأنّ على الأطراف المعنية أن تسلك المسار الدبلوماسي والسياسي.
أما روسيا، فعلى الرغم من أنّ حجم تجارتها مع إيران لا يضاهي حجم التجارة الصينية، فإنها أقامت خلال السنوات الماضية شبكةً من التعاون التجاري والطاقوي والعسكري مع طهران، تعمل إلى حدّ كبير خارج البنية الاقتصادية الخاضعة للهيمنة الغربية.
وقد وقّعت إيران وروسيا، في يناير/كانون الثاني 2025، اتفاق شراكة يمتدّ لعشرين عاماً، فيما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين، خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من العام نفسه، نحو 4.8 مليارات دولار. وتشير الجزيرة أيضاً إلى تقارير تتحدث عن تبادل معدات عسكرية وتعاون بحري بين البلدين.
ومن هذه الزاوية، فإنّ واشنطن، بفرض مزيد من العقوبات على روسيا، لا تمتلك عملياً سوى هامش محدود للضغط على موسكو ودفعها إلى قطع علاقاتها بطهران؛ ذلك أنّ روسيا واقعة، منذ زمن، تحت وطأة عقوبات أميركية واسعة.
وإلى جانب علاقاتها مع الصين وروسيا، تسعى طهران إلى توظيف إمكانات مجموعة «بريكس» لإنشاء مسارات مالية مستقلة عن النظام الخاضع لهيمنة الدولار. وقد أعلن رئيس البنك المركزي الإيراني أنّ طهران تطمح إلى الانضمام إلى بنك التنمية الجديد التابع لبريكس، وإلى توسيع استخدام العملات الوطنية في مبادلاتها مع أعضاء هذه المجموعة.
وقد يشكّل هذا المسار إحدى أبرز نقاط الضعف في استراتيجية الضغط الاقتصادي الأميركية؛ فكلما نجحت إيران في إبعاد تجارتها وتحويلاتها المالية وآليات تمويلها عن الشبكات الغربية، تراجعت فاعلية العقوبات الأميركية الأحادية.
ويُظهر تقرير الجزيرة، في مجمله، أنّ سياسة «العزل الكامل لإيران» تصطدم بواقع اقتصادي جديد في عالم متعدد الأقطاب. فالولايات المتحدة تستطيع أن تستهدف إيران بعقوبات واسعة، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تُرغم الصين وروسيا أيضاً على قطع علاقاتهما بطهران.
وقد اعتبر عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، الحملة الاقتصادية الأميركية امتداداً لسياسات واشنطن الفاشلة، واصفاً إياها بأنّها شكل من أشكال «الإرهاب الاقتصادي».
كما شدّد محلل في مركز الدراسات الاستراتيجية في طهران، في معرض حديثه عن الضغوط الأميركية، على أنّ إيران، رغم العقوبات الثقيلة، ستجد طريقاً لمواصلة مسارها، وأنّ ترامب تورّط في حرب لا يستطيع الانتصار فيها، ولا الخروج منها بسهولة.
إنّ نقطة قوة إيران في مواجهة استراتيجية ترامب الجديدة لا تكمن فقط في قدرتها الداخلية على مقاومة العقوبات، بل في تموضعها داخل شبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية مع قوى غير غربية. فالصين، بوصفها المشتري الأول للنفط الإيراني، وروسيا، بوصفها الشريك الاستراتيجي لطهران، تمثلان عقبتين كبيرتين أمام سعي الولايات المتحدة إلى تحويل العقوبات إلى حصار اقتصادي شامل.
