الوقت - في عصرنا الراهن، لطالما مثّلت الاستحقاقات الانتخابية خير مقياسٍ وأدق مؤشرٍ لسبر أغوار الدعم الشعبي لسياسات الأنظمة الحاكمة، واستشراف أمزجة الأغلبية في شتى الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية. وفي أعمق طبقات البحث والدراسة، تُعد الانتخابات نافذةً حيويةً لرصد واستكشاف التغيرات السياسية والاجتماعية للمجتمع.
وفي هذا الخضم، تقف الولايات المتحدة الأمريكية – بصفتها حاضنةً لأحد أشدّ النظم الانتخابية تعقيداً وتنوعاً، ولدور مساراتها السياسية والاجتماعية في صياغة التحولات الدولية – في بؤرة اهتمام وسائل الإعلام ومجهر المحللين خلال مواسم انتخاباتها العامة. ويتعاظم هذا الاهتمام بصفة خاصة في هذه الدورة، حيث يُعول على نتائج انتخابات الكونغرس المقررة في شهر نوفمبر في أداء دور محوري، إما في تأجيج تسارع السياسات اليمينية الهجومية لإدارة ترامب على الصعيدين الداخلي والخارجي، أو في كبح جماحها.
وفي خضم هذه الأجواء، برز تحولٌ جوهري في دورة انتخابات الكونغرس الحالية استأثر باهتمام المراقبين، وعدّه المحللون دليلاً ساطعاً على تحور تدريجي في طبيعة وجوهر الخطاب السياسي داخل المجتمع الأمريكي. ويتجلى هذا التحول في صعود نجم جيل جديد من المنتخبين المنحدرين من هويات لطالما هُمّشت قديماً كالمسلمين العرب، وهو صعودٌ يتزامن مع أفول نجم اللوبي الصهيوني العتيد داخل الأوساط اليمينية في المجتمع.
وفي الآونة الأخيرة، استحوذت تصريحات الرئيس دونالد ترامب ونائبه حيال الفوز المحتمل لـ “عبد الرحمن السيد” في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ، على واجهة المشهد الإعلامي. وقد تركزت الأضواء بوجه خاص على المقارنة التي عقدها ترامب بينه وبين زوجته من جهة، وبين “عبد الرحمن” وزوجته (وكلاهما طبيبان) من جهة أخرى، واصفاً إياهما بأنهما يمثلان “أمريكيتين متناقضتين”. وقد فُسرت هذه التصريحات على أنها انعكاس جليّ لعمق الذعر والهواجس التي تعتري ترامب من مغبة دخول معارضيه الأشداء إلی الكونغرس.
وفي الوقت الراهن، يشهد مجلس النواب حضور أربعة نواب ديمقراطيين مسلمين، وهم: أندريه كارسون، وإلهان عمر، ورشيدة طليب، ولطيفة سيمون. غير أن قبة مجلس الشيوخ لم تظلل حتى الآن أي عضو مسلم، وهو ما يُضفي أهميةً بالغةً على الفوز المرتقب لـ “عبد الرحمن السيد” في انتخابات التجديد النصفي المزمع عقدها في نوفمبر 2026. ففي حال تُوّج بالنجاح، سيكتب اسمه كأول مسلم يطأ عتبات مجلس الشيوخ منذ تأسيس الولايات المتحدة قبل مائتين وخمسين عاماً. لکن هذا الإنجاز لا يعدو كونه قمة جبل الجليد.
أولاً: حجم النفوذ السياسي للمسلمين
لا تنحصر أهمية التحول في النفوذ السياسي لمسلمي أمريكا، في مجرد صعود بضعة مرشحين مسلمين إلى واجهة الانتخابات، بل إن هذه الظاهرة تتزامن مع نضوج البنية التحتية السياسية للمجتمع المسلم. فلسنوات طوال، نُظر إلى المسلمين الأمريكيين ككتلة انتخابية متواضعة الحجم ومشتتة الولاء بين الحزبين الرئيسيين. إلا أن حرب غزة أعادت صياغة أولويات شرائح واسعة من هذا المجتمع، ودفعت الكثيرين منهم إلى إعادة حساباتهم ومراجعة مواقفهم الداعمة للمرشحين الذين يؤيدون السياسات الأمريكية المنحازة للاحتلال في فلسطين.
وفي هذا المجال، اختار فصيل من المسلمين النزول إلى معترك السياسة المباشر والترشح لتقلد المناصب العامة، بدلاً من الاكتفاء بلعب دور الناخب الصامت.
وفي الحادي عشر من أغسطس عام 2026، رعت منظمة “الفتاة المسلمة” بقيادة “أماني” ندوةً جمعت تحت سقفها كلاً من عبد الرحمن السيد، وإلهان عمر، ورشيدة طليب، والدكتور آدم حموي. وقد تمحورت النقاشات حول تساؤل جوهري يتعلق بمستقبل النفوذ السياسي للمسلمين: متى يغدو الحضور السياسي للمسلمين قاعدةً راسخةً لا استثناءً عابراً؟
وقد أجمع الحاضرون على أن هذا التحول ليس حلماً مؤجلاً، بل هو واقع بدأت ملامحه تتشكل بالفعل؛ إنها المرحلة التي يرتقي فيها المسلمون من مجرد “كتلة تصويتية يُخطب ودها” إلى قوة سياسية وازنة، تطمح لانتزاع مقعدها في غرف صنع القرار وصياغة أجندتها السياسية الخاصة.
وتشير التقديرات الواردة في النص إلى أن التعداد السكاني لمسلمي أمريكا يربو على الأربعة ملايين ونصف المليون نسمة، من بينهم ما يفوق المليون وسبعمائة ألف ناخب مسجل. ويكتسب هذا الوجود الديموغرافي ثقلاً انتخابياً مضاعفاً نظراً لتمركزه في ولايات مفصلية كـميشيغان، وجورجيا، وإلينوي، ونيوجيرسي، سيما في السباقات الانتخابية المحمومة التي تُحسم نتائجها بفارق بضعة آلاف من الأصوات.
واستناداً إلى تصريحات “رشيدة طليب”، فقد نجح قرابة المائتي مسلم، منذ عام 2019، في حجز مقاعد لهم في شتى الانتخابات المحلية، وعضوية الكونغرس، ومجالس المدارس، والمناصب الخاصة بالولايات في أرجاء أمريكا. وفي السياق ذاته، كشف تقرير الدائرة الإسلامية لأمريكا الشمالية، الصادر في الخامس من أغسطس 2026، عن تبوّء 230 مسلماً لمناصب منتخبة في الولايات المتحدة، من ضمنهم 46 فرداً يمارسون مهامهم في 23 حكومة ولاية.
ولا يقتصر هذا المدّ على المستويات المحلية، بل تمتد لتلامس أروقة الكونغرس. فبالإضافة إلى النواب الديمقراطيين المسلمين الأربعة المتواجدين حالياً في مجلس النواب، يجدر بالذكر أنه منذ نشأة هذا المجلس عام 1789، لم يتخطّ عتبته سوى ستة مشرعين مسلمين في المجمل.
في غضون ذلك، أماطت دراسة أكاديمية صدرت عن جامعة كامبريدج في مارس 2026 اللثام عن طفرة ملحوظة في أعداد المرشحين المسلمين الأمريكيين خلال الحقبة الانتخابية الممتدة بين عامي 2018 و2022. ففي تلك الحقبة، كان ما يتراوح بين 50 إلى 80 مسلماً أمريكياً يتقلدون مناصب سياسية سنوياً، في حين سُجلت أرقام قياسية غير مسبوقة لأعداد المرشحين المسلمين على بطاقات الاقتراع.
كما تعمل المؤسسات السياسية المنبثقة عن المجتمع المسلم على إذكاء جذوة هذا الحراك. فقد أعلنت لجنة العمل السياسي “إيمغيج” (Emgage PAC) أنها طوقت بدعمها أكثر من 500 مرشح مسلم منذ تأسيسها، وقد كُللت مساعيها بفوز 21 مرشحاً ممن حظوا بدعمها في انتخابات 2024. كما امتدت أنشطة هذه المنظمة في الدورة الانتخابية لعام 2026 لتشمل ولايات كـ ميشيغان، وتكساس، وفلوريدا، ونيويورك، ونيوجيرسي، وبنسلفانيا، وماريلاند.
وعلى صعيد انتخابات 2024، أعلنت حملة “المليون صوت مسلم” عن نجاحها في حشد وتعبئة ما يربو على 1.087 مليون ناخب مسلم مسجل.
وخلاصة القول، إن التحول الجوهري والأبرز في هذه المرحلة يتجلى في ارتقاء المسلمين التدريجي من مصاف “الناخبين المؤثرين”، إلى سدة “المرشحين وصناع القرار السياسي”. وهو تحولٌ ارتسمت معالمه كاحتمال سياسي واقعي وملموس، في ظل فوز مرشحين كـ “ممداني”، ووصول أربعة نواب مسلمين إلى قبة مجلس النواب، وصولاً إلى الترشح التاريخي لـ “عبد الرحمن السيد” لعضوية مجلس الشيوخ.
ثانياً: “آيباك” وانحسار ظلها في المشهد الانتخابي
في مقابل التنامي المتدرج للنفوذ السياسي للمسلمين والتيارات الناقدة لسياسات الكيان الصهيوني، يبرز تحول جوهري آخر يتمثل في تراجع دور ونفوذ “آيباك” في قسمٍ لا يستهان به من الفضاء الانتخابي الأمريكي.
لعقود خلت، تربعت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، المعروفة اختصاراً بـ “آيباك”، على عرش القوى المتنفذة في السياسة الأمريكية. وسعت، عبر نسج شباك الدعم لمرشحي الحزبين الجمهوري والديمقراطي، إلى صون الإجماع السياسي الداعم للكيان الصهيوني. وقد منحها نفوذها المالي والسياسي، منذ تأسيسها عام 1954، مكانةً استثنائيةً وحظوةً خاصةً في أروقة واشنطن.
لکن صخرة هذا الإجماع بدأت تتصدع شيئاً فشيئاً. ولعل عام 2015 مثّل إحدى المحطات المفصلية في هذا المسار، إبان الخلاف الذي نشب حول الاتفاق النووي الإيراني؛ حينها اصطفت “آيباك” خلف مساعي بنيامين نتنياهو لإجهاض الاتفاق، واضعةً نفسها في خندق المواجهة المباشرة مع إدارة باراك أوباما.
وعقب تولي ترامب سدة الرئاسة وانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، اتسعت هوة الخلاف بين أجنحة في الحزب الديمقراطي وبين سياسات الكيان الصهيوني، لينبثق تيار تقدمي يوجّه سهام النقد مباشرةً لسياسات هذا الكيان.
وبرزت أسماء لامعة كـ ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، ورشيدة طليب، وإلهان عمر، وجمال بومان، وكوري بوش، في طليعة ممثلي ومرشحي هذا التيار. وقد استشعرت “آيباك” في هذا المخاض تهديداً استراتيجياً طويل الأمد يتربص بنفوذها.
وجاءت حرب غزة لتزيد هذا الشرخ عمقاً. فالاحتجاجات الطلابية واتساع رقعة الإعلام البديل، طرحت سرديات جديدة قارعت الخطاب المهيمن المؤيد للكيان الصهيوني. ولجأ الجيل الصاعد، سيما “الجيل زي” (Gen Z) وجيل الألفية، أكثر من أي وقت مضى، إلى استقاء المعرفة من منابع خارج عباءة الإعلام السائد. ونتيجةً لذلك، انتشرت سرديات مغايرة حول فلسطين وحرب غزة في الفضاء العام الأمريكي.
وهكذا، تحولت القضية الفلسطينية من مجرد ملف في أدراج السياسة الخارجية، إلى جزء صميم من رحى صراع داخلي حول الهوية، والقيم، ومستقبل الحزب الديمقراطي ذاته.
ثالثاً: صمود الضعفاء في مواجهة الأقوياء
لم يكن التيار الجديد الناقد للكيان الصهيوني - والذي تربطه وشائج وثيقة بالحركة الطلابية والسياسية المناصرة لحقوق الفلسطينيين - يحظى بمثل هذه المكانة في الاستحقاقات الانتخابية الماضية. غير أن مساعي قمع الاحتجاجات الطلابية والضغوط الإدارية الممارسة بحق النشطاء، لم تفتّ في عضد هذا التيار، بل زادته صلابةً وأجّجت عزيمته.
وفي خضم هذا الحراك، برز “زهران ممداني” كأحد الوجوه اللامعة للتيار الاشتراكي الجديد. فقد وظّف نفوذه السياسي لدعم مرشحين يتقاسمون معه ذات الرؤى في الانتخابات التمهيدية لمجلس النواب؛ وهم مرشحون غالباً ما ترتبط جذورهم بمنظمة “الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا”.
وبدلاً من خوض غمار منافسات بالغة التعقيد، انتهج هذا التيار استراتيجيةً ذكيةً تمثلت في التصويب نحو “المقاعد الديمقراطية الآمنة”، في مسعى يهدف إلى إحداث انزياح تدريجي لبوصلة الحزب الديمقراطي نحو اليسار.
ومن هذا المنظور، لم تعد مأساة غزة مجرد شأن خارجي، بل استحالت أداةً فاعلةً للتعبئة الانتخابية. فقد نجح المرشحون المدعومون من هذا التيار في حشد الأنصار حول قضية غزة، مبرهنين على أن اتخاذ مواقف ناقدة لـ “آيباك”، قد ينقلب في بعض السباقات المحمومة من عبء سياسي إلى رصيد انتخابي ثمين.
رابعاً: قوة مالية قادرة على مقارعة نفوذ “آيباك”
من أبرز العوامل التي أسهمت في تمدد هذا التيار، تبلور قدرة مالية تضاهي وتنافس السطوة المالية لـ “آيباك”.
ففي الوقت الذي أغدقت فيه “آيباك” أموالاً طائلةً في الدورة الانتخابية عبر “مشروع الديمقراطية الموحدة” (UDP)، شقّت لجنة عمل سياسي جديدة طريقها في فبراير 2016 تحت اسم “الأولويات الأمريكية”.
وتأخذ هذه اللجنة على عاتقها تغليب كفة الاحتياجات الداخلية الأمريكية، كالتعليم العام والرعاية الصحية، بدلاً من استنزاف أموال دافعي الضرائب في تمويل حرب الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين.
وقبيل انطلاق الانتخابات التمهيدية بأشهر، ضخّت “الأولويات الأمريكية” ملايين الدولارات لدعم المرشحين المناهضين للكيان الصهيوني و"آيباك"، سعياً منها لفرض توازن مالي في معارك انتخابية مفصلية. ووفقاً لتقرير شبكة “سي إن إن”، فقد استلهمت هذه المجموعة زخمها من الحماسة المالية التي تبلورت في حملة “ممداني” الانتخابية.
بطبيعة الحال، وجّهت “آيباك” وحلفاؤها سهام النقد لهذا الحراك، واصفين إياه بالمتناقض؛ إذ يرون أن التيار اليساري يندد بتغلغل المال السياسي، في حين يستند هو ذاته إلى لجان سياسية يغذيها كبار المانحين.
وفي المقابل، يرى أنصار هذا التيار أن التصدي للسطوة المالية لـ “آيباك” يُعد ضرورةً حتميةً، معتبرين أن ضخّ دماء مالية جديدة في العروق الانتخابية يمثّل ضرباً من ضروب الشفافية ودمقرطةً للتمويل الانتخابي. ونتيجةً لذلك، لم يعد الصراع بين التيارين مقتصراً على البعد الأيديولوجي، بل امتدت لتطال ساحة الموارد المالية.
لقد أجبرت الهزائم الانتخابية التي تجرعتها “آيباك” في عام 2026 هذه المنظمة على إعادة حساباتها ومراجعة استراتيجيتها، لتطرح خططاً راميةً لزيادة حجم المشاركة المالية، واستقطاب المرشحين، ومجابهة المدّ المتصاعد للمشاعر المناهضة لها.
ومع ذلك، تشير المعطيات الواردة في النص إلى أن معضلة “آيباك” تتجاوز مجرد كونها كبوةً عابرةً. فلطالما استمدت هذه المنظمة قوتها عبر السنين من صخرة الإجماع ثنائي الحزبية بين الجمهوريين والديمقراطيين؛ وهو إجماع خفت بريقه، ولم يعد راسخاً كما كان، لا سيما في أوساط الديمقراطيين الشباب.
وفي غضون ذلك، اصطدمت مساعي وصف معارضي “آيباك” بتهمة “معاداة السامية” بجدار صلب، تمثل في الانخراط الفاعل لنشطاء ومنظمات يهودية تناهض حرب غزة وتنتصر لحقوق الفلسطينيين.
إن الانتصارات المتتالية التي يحصدها المرشحون الاشتراكيون والمناوئون لـ “آيباك”، تُعد دليلاً ساطعاً على أن تبني المواقف الداعمة لفلسطين وتوجيه النقد لنفوذ “آيباك” قد تحوّل، في قسم من المجتمع الأمريكي، من موقف هامشي إلى رأس مال سياسي يُعتد به.
خامساً: أثر الحراك الطلابي ومخاض التحول الجيلي
لعل من أبرز المحركات الداعمة لهذا التحول، شرارة الاحتجاجات الطلابية التي اندلعت عام 2024. فقد كُبلت أيادي الآلاف من الطلاب في أكثر من 130 جامعة أمريكية بأصفاد الاعتقال إبان تظاهراتهم المناصرة لفلسطين. وما كانت بدايته مجرد شرارة انطلقت من حرم جامعة “كولومبيا”، سرعان ما استحال لهيباً امتد ليطال العديد من الجامعات الأمريكية، قبل أن يعبر الحدود ويجوب آفاق دول شتى حول العالم.
وقد لعبت جامعة “كولومبيا”، بفضل إرثها العريق في النضال الطلابي ومكانتها العلمية والسياسية المرموقة، دوراً محورياً في قيادة هذا التحول. ففي أبريل من عام 2024، نصبت الجامعة خيام الاعتصام تضامناً مع فلسطين، لتغدو بذلك أحد المعاقل الرئيسية وحجر الزاوية لتلك الاحتجاجات.
ولم تنجح حملات الاعتقال التي طالت الطلاب أو استدعاء قوات مكافحة الشغب في إخماد جذوة الاحتجاجات، بل إنها صبت الزيت على النار، مؤجّجةً مشاعر التعاطف والدعم لهذه الحركة. وسرعان ما زحفت طليعة الاحتجاجات لتجتاح ساحات جامعات كبرى كجامعة كاليفورنیا في لوس أنجلوس، وييل، وجامعة كاليفورنيا الجنوبية، فضلاً عن عدد کبير من الجامعات الحكومية.
في غضون ذلك، قوبلت التدابير الإدارية التعسفية، وتشديد الخناق الرقابي على النشطاء، والإجراءات التأديبية الصارمة، بعاصفة من التنديد والاستنكار من قبل منظمات حقوقية وازنة، في طليعتها منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش.
وبمرور الوقت، تبلورت مطالب هذه الحركة وتجاوزت سقف التنديد بحرب غزة، لتتشابك مع قضايا اقتصادية وهيكلية أعمق. فقد تعالت أصوات الطلاب مطالبةً إدارات جامعاتهم بسحب استثماراتها من الشركات التي تقيم علاقات تجارية مع الكيان الصهيوني أو تدعم آلته الحربية في غزة، علاوةً على المطالبة بقطع حبال الوصل مع عمالقة صناعة الأسلحة، أمثال “إلبيت سيستمز” (Elbit Systems) و"لوكهيد مارتن" (Lockheed Martin) و"رايثيون" (Raytheon).
كما استحالت مسألة تسليط الضوء على الأوقاف الجامعية ومصادر تمويلها، جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية النضالية لهذه الحركة.
وتكمن الأهمية الجوهرية لهذا المسار في دوره الفاعل في صياغة الوعي السياسي للأجيال الصاعدة. فقد تمكن “الجيل زي” (Gen Z) وجيل الألفية، متسلحين بمنصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام البديلة، من استقاء سرديات مغايرة ومستقلة عن حرب غزة. وقد أفضى هذا التحول المعرفي، إلى إحداث انقلاب جذري في نظرتهم للسياسة الخارجية الأمريكية وموقفها الداعم للكيان الصهيوني.
ولم تقف الاحتجاجات عند حدود الولايات المتحدة، بل وصلت إلی بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وأستراليا، واليابان، لتمتد لاحقاً إلى دول أمريكا الجنوبية وآسيا وأفريقيا. وقد برهن انبثاق شبكة عابرة للحدود الوطنية من النشطاء الشباب، على أن وسائل الإعلام البديلة تمتلك قدرةً فائقةً على تصدير السرديات ونقل التكتيكات الاحتجاجية بسرعة البرق على الصعيد العالمي.
ومحصلة القول، لقد استحالت حرب غزة نقطة تحول جيليّة فارقة؛ تحولٌ يمكن تلمس ارتداداته السياسية بوضوح في تبدل بوصلة شريحة من الناخبين، وتعاظم المدّ الداعم للمرشحين الذين يوجّهون سهام نقدهم لسياسات واشنطن التقليدية تجاه الكيان الصهيوني.
سادساً: انخراط الطلاب اليهود في ساحات الاحتجاج
لعل من الأبعاد اللافتة والمثيرة للاهتمام في الحركة الطلابية الأمريكية، ذلك الانخراط الفاعل للطلاب اليهود في صفوف الاحتجاجات المناصرة لفلسطين.
ووفقاً للمعطيات، فقد تنامت المشاعر المناهضة للصهيونية في أوساط شريحة من جيل الألفية و"الجيل زي" من اليهود، حيث لعبت التعاليم اليهودية الداعية إلى إرساء العدالة وإصلاح العالم، دوراً محورياً في بلورة هذه الرؤية.
كما أسهمت منظمات بارزة، كحركة “الصوت اليهودي من أجل السلام”، في لعب دور فاعل في تعبئة الدعم اليهودي لمناصرة الحقوق الفلسطينية.
لقد شكّل نزول الطلاب اليهود إلى معترك الاحتجاجات، تحدياً صارخاً للادعاء القائل بأن مناهضة سياسات الكيان الصهيوني تترادف بالضرورة مع “معاداة السامية”. فهذه المشاركة لم تكتفِ بإضفاء شرعية اجتماعية وأخلاقية على الحراك، بل برهنت جلياً على أن نقد سياسات هذا الكيان قد ضرب بجذوره أيضاً في أوساط شريحة من المجتمع اليهودي الأمريكي.
من جهة أخرى، شكّلت المأساة الإنسانية في غزة، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، والقناعة الراسخة باستحالة ديمومة الوضع القائم، دوافع محورية وقوة دافعة وراء انخراط هذه المجموعة في الحراك.
وفي نهاية المطاف، أثمر هذا الحراك عن تبلور قاعدة شعبية عابرة للحدود والقارات، أخذت على عاتقها ممارسة ضغوط مكثفة على حكومات شتى، لدفعها نحو إعادة النظر في طبيعة علاقاتها مع الكيان الصهيوني.
أما على الساحة الأمريكية الداخلية، فقد نجح النشطاء المناصرون لفلسطين في استثمار هذا الزخم العالمي لتعزيز مواقفهم وتصليب عودهم؛ إذ إن اتساع رقعة الدعم العالمي لفلسطين أتاح لهم تقديم مواقفهم ورؤاهم، لا بوصفها أصواتاً هامشيةً، بل كجزء أصيل من مخاض تغيير عالمي أوسع وأشمل.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن بأي حال من الأحوال قراءة التحولات الانتخابية لعام 2026 بمعزل عن التداعيات والتحولات الدولية التي عصفت بالعالم على وقع حرب غزة.
سابعاً: أثر التيار الاشتراكي داخل الحزب الديمقراطي على الشباب الجمهوري
لقد ألقت الانتصارات التي حصدها التيار الجديد في الانتخابات التمهيدية بظلالها الكثيفة على الحزب الديمقراطي، وزجّت به في أتون انقسامات داخلية عميقة. فبات الحزب اليوم منقسماً بين جناح يتشبث بالمواقف التقليدية الداعمة للكيان الصهيوني، وجناح آخر يقارع هذه المواقف ويتحدّاها بأطر ورؤى مستحدثة.
ولم يتوانَ الجمهوريون عن تلقُّف هذا الانقسام واستغلاله على وجه السرعة. إذ يرمون من وراء ذلك إلى تقديم الحزب الديمقراطي بصورة الكيان الساقط في قبضة جناح يساري متطرف ومناهض لـ "إسرائيل"، ساعين لتحويل هذه السردية إلى “كعب أخيل” ونقطة ضعف قاتلة للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي.
ولم يحدّ “ترامب” عن هذا المضمار، إذ وظّف ذات الإطار لشنّ هجومه، واصفاً خصومه الديمقراطيين بعبارات لاذعة وقاموس لفظي حاد، بلغ حد نعتهم بصفات “جهادية”.
غير أن هذا السيل من الهجمات قد ينقلب سحره على الساحر ويأتي بنتائج عكسية. فبدلاً من أن يفتّ في عضد التيار الجديد، قد يسهم هذا الضغط السياسي في مضاعفة قدرته على استقطاب المؤيدين وتوسيع رقعة حاضنته الانتخابية؛ لا سيما في ظل التحولات الجيلية والأيديولوجية التي تعصف بالمجتمع الأمريكي، وتُعيد تشكيل تضاريس اصطفافاته السياسية التقليدية.
وفي خضم هذا المشهد، شكّل فوز “ممداني” بمنصب عمدة نيويورك في نوفمبر 2025 منعطفاً سياسياً ورمزياً بالغ الدلالة؛ إذ کتب اسمه كأول مسلم يتولى سدة القيادة في كبرى حواضر الولايات المتحدة.
ولم تنبع أهمية انتصاره من مجرد هويته الإسلامية فحسب؛ بل برهنت حملته الانتخابية على أن الهوية الإسلامية، حينما تتضافر مع قضايا تمسّ هموم المواطن كالإسكان، وتكاليف المعيشة، والخدمات الاجتماعية، وشبكات النقل، قادرة على إرساء دعائم ائتلاف انتخابي واسع الطيف. ولهذا السبب، ارتقى “ممداني” من مجرد مرشح محلي ليغدو أيقونةً وطنيةً ترمز للمعركة الدائرة حول مستقبل الحزب الديمقراطي وهوية أمريكا السياسية.
بطبيعة الحال، لم يسلم هذا الصعود من وابل هجمات اليمين الشرسة، حيث عُمد في أحيان عدة إلى الربط تعسفاً بين هويته الإسلامية وبين الإرهاب و"الشريعة". وقد سلّط هذا الاستهداف الواسع الضوء مجدداً على الاستغلال الممنهج لـ “الإسلاموفوبیا” كأداة في السياسة الأمريكية.
غير أن التحول الأشدّ إيلاماً وإثارةً للقلق في معسكر ترامب، يتجسد في صعود “عبد الرحمن السيد”. فلم يكتفِ السيد باكتساح المنافسة الانتخابية في ميشيغان، بل اقتنص بطاقة ترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ في هذه الولاية المتأرجحة والمفصلية، متفوّقاً بذلك على كبريات مجموعات التمويل الانتخابي.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا التحول في أن السيد لم يطرح نفسه في القالب الضيق لـ “المرشح المسلم” فحسب؛ بل وازن ببراعة بين هويته الإسلامية وتوجهاته السياسية التقدمية، متخذاً موقفاً حازماً ضد سطوة المال السياسي، وموجّهاً انتقادات لاذعة للدعم العسكري الأمريكي لآلة الاحتلال في فلسطين.
وإذا ما كُتب للسيد الفوز في استحقاق نوفمبر، فلن يقتصر إنجازه على كونه أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، بل سيؤسس لنموذج مستحدث للحضور السياسي الإسلامي على الصعيد الوطني؛ نموذجٌ يبرهن على قدرة المرشح المسلم على خوض غمار المنافسة الشرسة في ولاية متأرجحة، وعلى مستوى البلاد بأسرها.
الخلاصة واستشراف المشهد
تشي التحولات الانتخابية التي شهدتها الساحة الأمريكية في السنوات الأخيرة، بأن النفوذ السياسي للمسلمين هناك لم يعد مرهوناً بحجم كتلتهم التصويتية أو قدرتهم على ترجيح كفة الانتخابات فحسب. فالمجتمع الذي نُظر إليه يوماً ما ككتلة انتخابية ضئيلة ومشتتة، يمضي اليوم بخطى حثيثة نحو إرساء بنيته التحتية السياسية، والدفع بمرشحيه المستقلين، وتسجيل حضور مباشر في أروقة ومؤسسات صنع القرار.
وموازاةً مع هذا التحول، برزت حرب غزة وتداعياتها كأحد أهم محفزات التغيير في وعي شريحة واسعة من المجتمع الأمريكي. إذ تضافرت عوامل شتى - كالانتفاضة الجامعية، وسطوة الإعلام البديل، وانخراط الشباب، فضلاً عن مشاركة الطلاب اليهود في الحركات المناصرة لفلسطين - لتنسج سرديةً مغايرةً تتحدى السياسة الأمريكية التقليدية تجاه الكيان الصهيوني.
في الوقت ذاته، تجد منظمة “آيباك” نفسها في مواجهة تحدٍ يصفه هذا التحليل بالبنيوي وليس العابر. فتبدد أجزاء من الإجماع ثنائي الحزبية، وتبدل قناعات الديمقراطيين الشباب، وتبرعم مصادر تمويل موازية ومنافسة، وصعود مرشحين يجاهرون بتحدي نفوذ “آيباك”؛ كلها إرهاصات وبراهين ساطعة على هذا التغيير العميق.
في خضم هذا الفضاء، يطوي المسلمون الأمريكيون صفحة المرحلة التي كانوا يُصنفون فيها كمجرد “ناخبين” عابرين. فالانتصارات الانتخابية التي حقّقها “ممداني”، ووجود أربعة نواب مسلمين تحت قبة مجلس النواب، وترشح “عبد الرحمن السيد” لمجلس الشيوخ؛ كلها شواهد تؤكد أن دخول المسلمين إلى هياكل السلطة السياسية الأمريكية لم يعد استثناءً يُتعجب منه، بل بات مرشحاً ليصبح ركيزةً من ركائز المسار السياسي الجديد في البلاد.
وإذا ما كُللت مساعي “السيد” بالنجاح في استحقاق نوفمبر 2026، فإن هذا المسار سيدخل حقبةً رمزيةً غير مسبوقة؛ إذ سيسجل التاريخ اسمه كأول مسلم يخترق جدران مجلس الشيوخ الأمريكي. لکن الأهمية الجوهرية لهذا التحول تتجاوز مجرد الظفر بمقعد نيابي؛ فالسؤال الجوهري يتمحور حول ما إذا كان المجتمع المسلم في أمريكا سيرتقي من خانة الفئة الاجتماعية التي تتسابق الأحزاب لخطب ودّها، ليغدو قوةً سياسيةً مستقلةً تساهم بنفسها في صياغة الأجندات، وتسمية الممثلين، ورسم معالم السياسة الأمريكية.
وإذا ما واصل هذا المسار زخمه، فلن تُقرأ انتخابات 2026 بوصفها مجرد سباق محموم لحصد مقاعد الكونغرس فحسب، بل ستُعد مؤشراً جلياً على تحور تدريجي في النسيج الاجتماعي والخطاب السياسي الأمريكي؛ تحورٌ تزحف فيه الهويات التي كانت تقبع في الهوامش، والأجيال الشابة، والحركات الطلابية، والتيارات السياسية المستحدثة، بخطى واثقة لتتبوأ مكانها في صميم معادلات القوة وصنع القرار.
