الوقت - كشفت معطيات نشرتها صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن تحول نوعي في سياسة الاستيطان بالضفة الغربية، يتمثل في توسع المستوطنين بإقامة بؤر استيطانية داخل مناطق "أ" و"ب" التي تخضع، وفق اتفاقيات أوسلو، لسيادة وصلاحيات السلطة الفلسطينية، في تجاوز واضح للرواية الرسمية التي تزعم أن هذه الأنشطة مجرد أعمال فردية ينفذها "متطرفون".
ووفق التقرير، فقد أُقيمت خلال السنوات الثلاثين الماضية ما لا يقل عن 30 بؤرة استيطانية داخل هذه المناطق، غالبيتها في المنطقة "ب"، إضافة إلى بؤرة واحدة على الأقل داخل المنطقة "أ" التي تتمتع فيها السلطة بالصلاحيات الأمنية والمدنية معًا. وتقع هذه البؤر في مواقع استراتيجية؛ كقمم الجبال، ومحاذاة الطرق الرئيسية، وبالقرب من التجمعات العمرانية الفلسطينية، ما يمنح المستوطنين أدوات لمراقبة الحركة الفلسطينية وتقييد توسعها العمراني.
ويشير التقرير إلى أن إسرائيل لم تكن تقيم بؤرًا في هاتين المنطقتين حتى عام 2024، وكانت الإدارة المدنية تزيل أي محاولات للتسلل من المنطقة "ج" إلى "ب". لكن السياسة تغيرت خلال حكومة نتنياهو الحالية، حيث باتت البؤر الجديدة تقام في مناطق كانت خارج نطاق النشاط الاستيطاني المباشر.
وفي قرية قصرة جنوب نابلس، يقول سكان إن بؤرة "تل تلبوت" أقيمت على قمة جبل تبعد نحو كيلومترين داخل المنطقة "ب"، ويروي الأهالي أن المستوطنين ينفذون دوريات قريبة من منازلهم، مما يعمق مخاوفهم من الاعتداءات.
وبينما يقر قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، آفي بلوت، بأن إقامة البؤر في المنطقتين "أ" و"ب" مخالفة للقانون، تؤكد الصحيفة أن الأقوال تتعارض مع الدعم السياسي العلني الذي يقدمه وزراء وأعضاء كنيست لهذه الأنشطة. ويضاف إلى ذلك أن الجيش أعلن سابقًا عن وجود 42 بؤرة غير مرخصة مسؤولة عن نحو 90% من اعتداءات المستوطنين، ومعظمها يقع في المنطقتين "أ" و"ب".
ولا تقتصر الظاهرة على المنطقة "ب"، ففي العام الماضي أقيمت بؤرة "هاركيز" جنوب سنجل داخل المنطقة "أ"، وهي الأولى من نوعها المعروفة، وقد شهدت المنطقة بعد أسابيع من إقامتها مقتل مواطن أميركي كان يزور عائلته، وتعرض صحفيون أجانب لاعتداء أثناء زيارتهم الموقع.
وعلى الصعيد السياسي، كشف التقرير عن دعوات رسمية لتوسيع الاستيطان، حيث نظم منتدى "نعود إلى البيت" مؤتمرًا في الكنيست تحت شعار "السيطرة على المناطق المفتوحة"، دعا خلاله إلى إقامة 100 بؤرة جديدة في المنطقتين "أ" و"ب"، بحضور أعضاء كنيست، بينهم رئيس لجنة الأمن القومي تسفي فوغل، الذي حث على تنفيذ السيطرة "بالأفعال لا بالتشريعات". ويُذكر أن المنتدى، الذي أسسه أبوان ثكليان، يحظى بدعم كبير من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش وعرض خطته على مقربين من نتنياهو.
تؤكد هذه التطورات أن الاستيطان لم يعد مقتصرًا على المنطقة "ج" (نحو 60% من مساحة الضفة)، بل يتوسع نحو مناطق تقع رسميًا ضمن اختصاص السلطة الفلسطينية، في خطوة تهدف إلى فرض وقائع ميدانية جديدة، والتحكم بالجغرافيا والديموغرافيا، وتهديد بنية التسوية القائمة على اتفاق أوسلو، وسط فجوة متسعة بين الموقف الإسرائيلي الرسمي والممارسة على الأرض.
