الوقت- تشير المعطيات المتلاحقة من مسار التفاوض الأمني بين دمشق وتل أبيب إلى اقتراب الطرفين من صياغة هيكل أمني جديد لجنوب سوريا، يقوم أساساً على تصور إسرائيلي متكامل جرى التفاوض حوله بوساطة أميركية مباشرة، وسط تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن اقتراب إتمام الصفقة بنسبة تقارب المئة بالمئة برعاية مبعوث أميركي خاص. ويتضمن هذا التصور إنشاء منطقة منزوعة السلاح تمتد من غرب درعا إلى غرب دمشق بعمق يتراوح بين عشرين وثلاثين كيلومتراً، يُحظر فيها نشر أي أسلحة ثقيلة أو صواريخ، إلى جانب منطقة أخرى محظور فيها الطيران العسكري السوري تمتد من شرق درعا وصولاً إلى السويداء، بما يوفر عملياً ممراً جوياً مفتوحاً للطيران الإسرائيلي فوق الأجواء السورية، فضلاً عن احتفاظ إسرائيل بنقطة مراقبة دائمة على قمة جبل الشيخ لرصد التحركات في سوريا ولبنان معاً. ويأتي هذا المسار في أعقاب انسحاب إسرائيل الأحادي من اتفاق فض الاشتباك الموقّع عام 1974 وسيطرتها الفعلية على المنطقة العازلة التي كان يشرف عليها ذلك الاتفاق، وهو ما أثار منذ البداية مخاوف دمشق من أن يكون الهدف الحقيقي من هذا المسار التفاوضي الجديد هو تكريس توسع إسرائيلي تدريجي بغطاء دبلوماسي، بدلاً من إعادة إحياء ترتيبات متوازنة تحفظ الحد الأدنى من السيادة السورية على أراضيها.
تحذير الشرع نفسه من "الدخول في مكان خطر"
من اللافت أن رئيس السلطة المؤقتة أحمد الشرع، الملقب بالجولاني، نفسه سبق أن عبّر عن تحفظات صريحة حيال أحد أبرز محاور هذا الترتيب، إذ أكد أن سعي إسرائيل لإقامة منطقة منزوعة السلاح بديلة عن اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974 قد "يدخلنا في مكان خطر"، مشدداً على أن ذلك الاتفاق التاريخي صمد أكثر من خمسين عاماً وحظي بإجماع دولي وقرارات من مجلس الأمن، بينما يظل السعي لفرض ترتيبات بديلة عنه محفوفاً بمخاطر يصعب التكهن بتبعاتها الكاملة على السيادة السورية. هذا التحذير، الصادر من رأس السلطة المؤقتة ذاته، يكشف حجم القلق الرسمي إزاء مسار تفاوضي يبدو، بحسب مراقبين، أقرب إلى فرض شروط إسرائيلية أحادية الجانب منه إلى اتفاق متوازن بين طرفين متكافئين، خصوصاً في ظل اتهام وزير خارجية السلطة المؤقتة أسعد الشيباني الصريح لإسرائيل بالتهرب المتكرر من الالتزامات التي جرى التوافق عليها على طاولة المفاوضات، رغم أن دمشق أصرّت على أن يخضع أي اتفاق أمني نهائي لمراقبة أممية تضمن حدًا أدنى من التوازن.
وقائع ميدانية تسبق التوقيع وتفرض أمراً واقعاً
بينما لا تزال المفاوضات الرسمية جارية دون توقيع نهائي معلن، تكشف الوقائع الميدانية أن إسرائيل تمضي فعلياً في ترسيخ هذا الهيكل الأمني الجديد على الأرض بمعزل عن أي اتفاق موقّع. فقد كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية عن انتهاء الجيش الإسرائيلي من حفر شبكة خنادق بنسبة 80 بالمئة وإقامة تسع قواعد عسكرية جديدة في القنيطرة ووادي اليرموك، ضمن مشروع أطلق عليه اسم "الشرق الجديد"، يتيح لقوات الاحتلال التحرك بحرية داخل القرى والبلدات السورية عبر نقاط تفتيش خاضعة للمراقبة والمدفعية. كما كشفت صور الأقمار الصناعية عن سبع نقاط استيطانية جديدة يجري بناؤها بالتوازي على امتداد المنطقة منزوعة السلاح من جبل الشيخ شمالاً وصولاً إلى تل كونة جنوباً، في مؤشر واضح على أن ما يُطرح كمسار تفاوضي ينفذ عملياً على الأرض دون انتظار أي غطاء قانوني أو سياسي رسمي، بما يُفرغ التفاوض من مضمونه ويحوّله إلى مجرد تغطية دبلوماسية لواقع مفروض سلفاً بالقوة.
استثمار إسرائيلي طويل الأمد يوازي المسار التفاوضي
يتزامن هذا الحراك التفاوضي مع خطوات إسرائيلية أحادية الجانب تؤكد نية البقاء الطويل الأمد في المنطقة بمعزل عن أي تفاهمات مستقبلية، إذ خصصت حكومة الاحتلال نحو 334 مليون دولار لتوسيع الاستيطان في الجولان السوري المحتل حتى عام 2030، ضمن خطة تشمل تحويل مستوطنة كاتسرين إلى مركز حضري رئيسي، إلى جانب مشاريع إسكان وبنية تحتية تستهدف استقطاب آلاف المستوطنين الجدد. هذا التزامن بين توسع استيطاني معلن من جهة، ومفاوضات أمنية يُفترض أنها تبحث عن خفض تصعيد من جهة أخرى، يفضح تناقضاً جوهرياً في الموقف الإسرائيلي، ويؤكد أن ما يُطرح كترتيبات أمنية مؤقتة يشكل في الواقع جزءاً من مشروع استراتيجي أوسع لإعادة رسم الجغرافيا والسيادة في جنوب سوريا بشكل دائم لا يخضع لأي جدول زمني تفاوضي معلن.
سيادة على المحك: أي ثمن لتفادي الانفجار؟
في نهاية المطاف، يضع هذا المسار التفاوضي القيادة السورية المؤقتة أمام معادلة بالغة الصعوبة: فبينما يبدو التوصل إلى تفاهم أمني ما، ولو منقوصاً، ممراً اضطرارياً لتثبيت الهدوء ومنع تحول الجنوب إلى ساحة استنزاف مفتوحة، في ظل غياب مقومات المواجهة العسكرية المباشرة مع قوة تملك تفوقاً جوياً وبحرياً ساحقاً، فإن القبول بهيكل أمني مصمم أساساً وفق تصور إسرائيلي، يشمل مناطق منزوعة السلاح ونقاط مراقبة دائمة ولا مركزية إدارية محلية، يحمل مخاطر حقيقية على وحدة القرار السيادي السوري في الجنوب على المدى الطويل. ويبقى السؤال المعلق: هل تنجح دمشق في تحويل هذا الترتيب المفروض بحكم موازين القوى الراهنة إلى صيغة انتقالية مؤقتة قابلة للمراجعة مستقبلاً، أم أن "الضوء الأخضر" الذي تُلمّح إليه التقارير سيتحول تدريجياً إلى واقع جيوسياسي دائم يصعب التراجع عنه، تماماً كما حدث في تجارب مشابهة سبق أن عاشتها المنطقة؟
