الوقت - استناداً إلى التقارير المنشورة، غدت عملية سحب القوات الأمريكية ومنظومات “باتريوت” الدفاعية من حدود أربيل، محطّ جدل وتباين في الآراء بين بعض المنابر الإعلامية ومسؤولي إقليم كردستان.
ووفقاً لشبكة “رووداو”، أوردت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) يوم السبت، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، أن وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) قد أبلغت سلطات إقليم كردستان العراق بنيتها عدم تمديد مذكرة التفاهم المبرمة مع وزارة البيشمركة، والتي توشك على الانقضاء في 30 سبتمبر/أيلول.
وبموجب هذا التقرير، ستُقطع المساعدات المالية الأمريكية المخصصة لقوات البيشمركة إثر هذا القرار؛ وهي مساعدات قُدّرت بحوالي 61 مليون دولار ضمن ميزانية البنتاغون لهذا العام.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المذكرة أُبرمت عام 2016 بهدف دعم جهود مكافحة تنظيم “داعش”، وإضفاء الطابع الاحترافي على قوات البيشمركة والمساهمة في توحيد صفوفها، وقد سبق أن مُدّدت لمرة واحدة عام 2022 لمدة أربع سنوات.
وكانت القوات الأمريكية المتمركزة في قاعدة “عين الأسد” ومناطق الأنبار، قد نُقلت سابقاً إلى قاعدة “حرير” في أربيل بموجب اتفاق مع بغداد والإقليم، وهي تتوجه الآن صوب دول أخرى. ولا يحتضن إقليم كردستان أي قاعدة أمريكية دائمة؛ فالقوات المتواجدة هناك هم في الغالب مستشارون تتركز مهامهم في تدريب ودعم القوات المسلحة العراقية والبيشمركة.
ردود أفعال مسؤولي إقليم كردستان
لقد أثار الانسحاب الأمريكي المباغت موجةً من القلق وصدمةً إعلاميةً في أوساط مسؤولي الإقليم، إلى حدّ أن مواقفهم الأولى استندت إلى إنكار هذا التفسير للخطوة الأمريكية.
وفي هذا الصدد، وصف كفاح محمود، المستشار الإعلامي لمسعود بارزاني، بصراحة التقارير التي تتحدث عن انسحاب كامل بأنها “استنتاج خاطئ”، مشدداً على أن عملية النقل هذه كانت مبرمجةً منذ أشهر. وأوضح كذلك أن أمريكا قد أبقت على جزء من منظومات “باتريوت” ذوداً عن مصالحها في الإقليم، مجدداً التأكيد على غياب أي قاعدة دائمة في المنطقة، وأن القوات المتواجدة تتألف أساساً من مستشارين.
من جهته، صرّح مسرور بارزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان، بوضوح في مقابلة مع موقع “المونيتور”، بأن سحب منظومات “باتريوت” يضع الإقليم “في عين الخطر”. وفي إشارة منه إلى تعرض الإقليم لأكثر من 1000 هجوم بالطائرات المسيرة والصواريخ، اعتبر بارزاني هذا التهديد حقيقياً ومحدقاً، مناشداً أمريكا وحلفاءها الآخرين تزويد الإقليم بنظام دفاع جوي ملائم لتمكينه من الذود عن نفسه.
خيوطٌ تدحض ادعاءات المسؤولين الأكراد
تشير بعض التقارير إلى أن حكومة الإقليم لم تُحط علماً مسبقاً بهذه التحركات، مما يعكس طابع السرعة والسرية الذي اكتنف العملية. ففي البداية، نُظر إلى هبوط عدة طائرات شحن عسكرية عملاقة في أربيل على أنه مؤشر لتعزيز قاعدة التحالف، غير أن مهمتها الفعلية كانت تدشين واحدة من أسرع عمليات سحب العتاد العسكري الغربي من إقليم كردستان؛ ففي غضون ثلاثة أيام، سُحبت منظومات دفاعية أمريكية وبريطانية مفصلية، وتقلص الحضور العسكري الغربي في أربيل بشكل دراماتيكي.
وباعتراف مصادر إعلامية محلية وخبراء غير حكوميين، فإن القسم الأعظم من القوات الأمريكية قد انسحب فعلياً من أربيل، كما غادرت منظومات “باتريوت” القاعدة متجهةً على الأرجح نحو الأردن، رغم أن هذه الأنباء لم تحظَ بعد بتأكيد مستقل من قِبل الجهات المعنية. ورغم ذلك، يُتوقع أن تحافظ القوات الخاصة الأمريكية، وربما الفرنسية، على موطئ قدم لها في بعض المواقع.
وتجدر الإضافة أنه على النقيض مما صرّح به مسؤولو الإقليم، تتحدث التقارير عن انسحاب خاطف للمنظومات الدفاعية الأمريكية والعتاد العسكري العائد لبريطانيا وفرنسا وألمانيا من مطار أربيل الدولي. وقد نُفذت هذه الخطوة دون سابق إنذار لسلطات إقليم كردستان، مما فاقم المخاوف حيال انكشاف أربيل وهشاشتها أمام هجمات محتملة قد تشنها إيران أو الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران.
واستناداً إلى هذه التقارير، وفي عملية خاطفة استغرقت 72 ساعة، انسحب مئات العسكريين الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين والألمان، مصحوبين بمنظومات دفاع جوي استراتيجية من أربيل؛ في خطوة قوّضت فعلياً القدرات الدفاعية لقاعدة التحالف الدولي في إقليم كردستان. وكانت عدة طائرات شحن عسكرية ضخمة، من طراز “سي-17 غلوب ماستر” (C-17 Globemaster) الأمريكية و"إيرباص إيه 400 إم أطلس" (A400M Atlas) البريطانية، قد هبطت أواخر الأسبوع المنصرم في مطار أربيل الدولي.
علاوةً على ذلك، فكّكت القوات الأمريكية بالكامل مناطيد المراقبة الشاهقة والمناطيد المربوطة بالأرض (Aerostat) التي كانت تُستخدم للرصد الجوي في سماء أربيل. ووفقاً لمعلومات استُقيت من مصادر مطلعة على هذه التحركات، فضلاً عما أورده القسم الإنجليزي في شبكة “رووداو”، فقد نقلت أمريكا خلال ثلاثة أيام ثماني منظومات دفاع صاروخي من طراز “باتريوت” كانت متمركزةً في أربيل إلى الأردن. وبالتزامن مع ذلك، نقلت بريطانيا منظومتها الدفاعية “رابيد سينتري” (Rapid Sentry) إلى قبرص.
العتاد المسحوب:
المنظومة الدفاعية
الاستخدام الميداني
باتريوت (Patriot)
التصدي للصواريخ الباليستية والتهديدات الجوية
سي-رام (C-RAM)
التصدي للصواريخ والمدفعية وقذائف الهاون
رابيد سينتري (Rapid Sentry)
منظومة بريطانية للتصدي للطائرات المسيرة والمقذوفات الموجهة
ووفقاً للاتفاق المبرم بين واشنطن وبغداد، كان من المقرر أن يُستكمل انسحاب القوات الأمريكية من العراق بحلول 30 سبتمبر/أيلول، غير أن الهجمات الإيرانية المستمرة أسهمت في تسريع وتيرة هذه العملية.
ومما قد يُعزى إليه تسارع وتيرة هذا الانسحاب، النقص الحاصل في مخزونات صواريخ “باتريوت” الأمريكية، وهو أمرٌ أقرّ به عدد من المسؤولين والخبراء العسكريين الأمريكيين في الآونة الأخيرة؛ إذ بات جلياً أن القدرة الإنتاجية لهذا العتاد لا توازي سرعة استهلاكه، مما أدى إلى استنزاف مخزونات هذه المنظومات بوتيرة متسارعة.
ومن زاوية أخرى، فإن الوجود العسكري الأمريكي في إقليم كردستان العراق كان، منذ انطلاقته الأولى، يسبح في فلك المصالح الاستراتيجية لواشنطن، ولم تكن غايته محض حماية الأكراد. ويُنذر هذا الانسحاب التدريجي بإعادة إنتاج السيناريو الذي شهدته مناطق شمالي وشرقي سوريا، مما يزرع بذور القلق حيال مصير حلفاء واشنطن الأكراد، ويضع علامات استفهام كبرى حول مدى التزام أمريكا تجاه شركائها المحليين في العراق.
ومن هذا المنطلق، لا يعدو هذا الانسحاب كونه مجرد إعادة تموضع عسكري، بل هو إرهاصٌ بإعادة صياغة الدور الأمريكي في العراق، وتقليص تدريجي لوجودها المباشر في الإقليم.
وفي السياق ذاته، أوردت صحيفة “الشرق الأوسط” نقلاً عن مصادرها، أن أربيل تسابق الزمن لتأمين منظومات دفاع جوي تقي المنطقة شرّ الهجمات، وذلك قبيل الانسحاب الأمريكي الشامل من العراق. غير أن اقتناء هذا العتاد يمر حتماً عبر بوابة التنسيق مع واشنطن وبغداد، والأهم من ذلك، يتطلب استخلاص التمويل من خزينة الحكومة الاتحادية.
وفي الختام، تجدر الإشارة إلى أن هذه التطورات قد أشعلت فتيل قلق بالغ في أوساط مسؤولي الإقليم، لا سيما في ظل تصاعد وتيرة التهديدات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة التي تستهدف كردستان. وتتزامن عملية سحب هذا العتاد مع ظرف إقليمي دقيق، حيث شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعداً في وتيرة الهجمات التي تشنها إيران وفصائل “المقاومة الإسلامية” العراقية ضد المصالح الأمريكية في المنطقة، مما أدى إلى تأجيج نار التوتر مجدداً بين واشنطن وطهران.
إن السرعة والسرية اللتين اكتنفتا انسحاب القوات الغربية، قد نكأتا جراح الذاكرة الكردية، مستحضرين مشهد الانسحاب الأمريكي من شمالي وشرقي سوريا. ففي ذلك الحين، مهّد جلاء القوات الأمريكية عن المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد في سوريا (المعروفة بروجآفا)، الطريق أمام اجتياح القوات المدعومة من تركيا، مما قلب الموازين الأمنية في المنطقة رأساً على عقب، وأفضى في نهاية المطاف إلى تقويض الإدارة الذاتية هناك.
فضلاً عن ذلك، فإن إحجام الأكراد عن التعاطي الإيجابي مع طلب “ترامب” بشن عمليات برية منسقة مع واشنطن، قد يُعدّ سبباً آخر وراء تجريد القواعد الأمريكية في إقليم كردستان من مظلتها الدفاعية.
ولا يمكن إغفال احتمال توسع رقعة الصراع بين أمريكا وإيران، كدافع إضافي لإخلاء المقرات الهشة والمكشوفة أمام الضربات الإيرانية. إذ يبدو أن أمريكا تتربص لشن هجوم على إيران، ومن هذا المنطلق، تعمد إلى سحب أفرادها وعتادها الواقعين في مرمى النيران الإيرانية إلى قواعد نائية نأياً بهم عن أي ضرر. وحتى في حال إقدام الكيان الصهيوني على شن هجمات مستقلة، فإن واشنطن تجد نفسها ملزمةً بنقل مقدراتها إلى ملاذات أكثر أمناً لضمان سلامة قواتها.
ما سرّ قلق مسؤولي الإقليم؟
لا يمكن حصر أسباب قلق مسؤولي إقليم كردستان في مجرد سحب بضع منظومات دفاعية أو تقليص لعديد القوات الأمريكية؛ بل إن جوهر القضية يكمن في هاجس الفراغ الأمني المحتمل الذي سيعقب رحيل قوات طالما شكلت، على امتداد السنوات الماضية، أساساً في “البنية الدفاعية” للإقليم.
الهاجس الأول: ينصبّ على الانكشاف الجوي للإقليم. فخلال الأشهر المنصرمة، أمطرت الطائرات المسيرة والصواريخ سماء أربيل والسليمانية مراراً وتكراراً. وتندرج شريحة من هذه الهجمات في إطار استهداف معاقل الزمر الإرهابية المعادية والانفصالية الناشطة على أراضي الإقليم، وهي الزمر التي ماطلت سلطات الإقليم في طردها، ضاربةً عرض الحائط بالتحذيرات الإيرانية الصريحة. وهذا الواقع يضاعف من وطأة انسحاب منظومات “باتريوت”، رغم أنها نُصبت في الأساس لحماية القوات الأمريكية حصراً، وليس لتوفير مظلة دفاعية رادعة وشاملة لأربيل. ومع ذلك، يصرح مسؤولو الإقليم اليوم بضرورة تحصين دفاعاتهم الجوية؛ حيث أطلق مسرور بارزاني في 20 أغسطس نداءً لشركاء بلاده الأجانب لمد يد العون في بناء قدرات دفاع جوي أكثر صلابةً، محذراً من أن وتيرة الهجمات بالمسيرات المرتبطة بإيران ماضية في التصاعد.
الهاجس الثاني: يتجلى في غياب البديل الآني للحضور الاستخباراتي والاستطلاعي وأنظمة الإنذار المبكر الأمريكية. ويكتسي تفكيك مناطيد المراقبة وأنظمة “أيروستات” (Aerostat) أهميةً بالغةً، فهذه المعدات لم تكن مجرد درع واقٍ لقاعدة عسكرية بعينها، بل كانت بمثابة “عين ساهرة” ترصد التهديدات الجوية وتقتفي أثر مصادر الهجمات. وعليه، فإن سحبها يُترجم ميدانياً إلى شلل جزئي في قدرة الإقليم على استشعار الخطر قبل بلوغه أهدافه.
الهاجس الثالث: يرتدّ إلى الهشاشة الهيكلية التي تعتري قوات البيشمركة. فالشراكة الأمنية المبرمة بين واشنطن والإقليم عام 2016، لم تقتصر على محاربة “داعش”، بل هدفت لصبغ قوات البيشمركة بالاحترافية وتوحيد صفوفها. غير أن قطار التوحيد لم يبلغ محطته النهائية بعد، ولا تزال البيشمركة أسيرة التصدعات السياسية بين القطبين الكرديين الرئيسيين. وقد سبق لتقارير رسمية صادرة عن البنتاغون أن حذرت من أن مسار إصلاح البيشمركة يسير في حقل ألغام من الخلافات السياسية، وتهديدات “داعش”، والوجود العسكري التركي وعناصر (PKK)، ناهيك عن التجاذبات المالية والأمنية بين أربيل وبغداد، مما زاد المشهد تعقيداً.
في خضم هذه التعقيدات، يتوجّس الأكراد خيفةً من إلقاء عبء أمني أثقل على كاهل قوة لم ترتقِ بعد إلى المستوى المنشود، لا على صعيد هيكلية القيادة ولا في مجال التسليح والدفاع الجوي. وما يزيد الطين بلةً، استبعاد أن تتكفل الحكومة العراقية بتوفير الميزانية اللازمة لديمومة عمل قوات البيشمركة وفق هيكليتها الراهنة. ومن هذه الزاوية، يساور الأكراد قلقٌ بالغ من أن يؤدي انحسار الحضور الأمريكي، بالتزامن مع اشتداد ضغوط بغداد، إلى تقويض المكانة السياسية والأمنية للإقليم. لا سيما وأن الحكومة المركزية في العراق ترفع لواء بسط سيادة الدولة المطلقة على ملفي الأمن والسلاح ضمن نهجها الجديد، في وقت تبارك فيه واشنطن مساعي بغداد لنزع سلاح الفصائل المسلحة.
ومؤخراً، ذهب أحد القياديين الأمنيين في “كتائب حزب الله” إلى أبعد من ذلك، جاعلاً من الانسحاب الشامل للقوات الأمريكية والتركية من العراق، و"حلّ قوات البيشمركة"، شروطاً مسبقةً لجلوس فصيله على طاولة الحوار لمناقشة تسليم سلاحه. وتشي مثل هذه المواقف بأن معضلة سلاح البيشمركة لم تعد مقتصرةً على درء خطر خارجي، بل استحالت جزءاً لا يتجزأ من صراع أعتى على هيكلية السلطة واحتكار السلاح في العراق.
من ناحية أخرى، لا تزال التجربة السورية ماثلةً في أذهان القيادة الكردية. فالانسحاب المباغت للقوات الأمريكية من أجزاء من شمالي سوريا عام 2019، والذي عبّد الطريق أمام تبدل الموازين الأمنية وانطلاق العمليات العسكرية التركية، بات يُشكل في وعي الكثير من أكراد العراق جرس إنذار مرعب. ولأجل ذلك، حتى وإن كان الانسحاب الحالي يندرج ضمن تفاهمات مسبقة بين واشنطن وبغداد، فإن وتيرته المتسارعة، وتحديداً سحب العتاد الدفاعي المتطور، قد طرح تساؤلاً جوهرياً في أروقة أربيل: هل تكتفي أمريكا بإعادة صياغة شكل حضورها، أم أن التزام واشنطن طويل الأمد بأمن حلفائها الأكراد قد بدأ يتآكل؟
