الوقت - مع اقتراب نهاية ولاية أنطونيو غوتيريش الثانية كأمين عام للأمم المتحدة، دخلت عملية اختيار خليفته مرحلة حاسمة؛ وهي عملية قد تؤثر على كيفية تعامل الأمم المتحدة مع العديد من القضايا الدولية، بما في ذلك حرب غزة، والقضية الفلسطينية، والاحتلال، وأداء الكيان الصهيوني في السنوات المقبلة.
سيتنحى غوتيريش عن منصبه في نهاية عام 2026، وسيبدأ الأمين العام الجديد مهامه في الأول من يناير/كانون الثاني 2027. ويوجد حاليًا عدد من المرشحين الرئيسيين لهذا المنصب، وقد أجرى مجلس الأمن استطلاعًا غير رسمي أولي بين المرشحين. في هذا التصويت، حصدت ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة ورئيسة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، المركز الأول بعشرة أصوات "تصفيق"، تلتها كارولين رودريغيز بيركيت من غيانا، ثم رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
في غضون ذلك، يبدو أن انتخاب الأمين العام للأمم المتحدة حاسمٌ للغاية بالنسبة للصهيونيين.
لماذا يُعدّ انتخاب الأمين العام مهمًا للكيان الصهيوني؟
على الرغم من أن الأمين العام للأمم المتحدة لا يتمتع بنفس سلطة اتخاذ القرار المستقلة التي تتمتع بها الدول الأعضاء، إلا أنه يشغل أحد أهم المناصب السياسية والدبلوماسية في النظام الدولي. فهو قادر على طرح الأزمات على جدول أعمال الأمم المتحدة، والتوسط بين الأطراف المتنازعة، والتحذير من الأزمات الإنسانية، واستخدام النفوذ السياسي والإعلامي للأمم المتحدة للضغط على أطراف النزاع.
كما يضطلع الأمين العام بدورٍ هام في إدارة الجهاز الإداري للأمم المتحدة وتعيين عدد من كبار مسؤولي المنظمة. لذا، فإن اختيار شخص ذي نهج مختلف قد يؤثر أيضًا على التوجه السياسي والدبلوماسي للأمم المتحدة.
من جهة أخرى، أدت آلية اختيار الأمين العام إلى منح الدول الكبرى، ولا سيما الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، دورًا حاسمًا في هذه العملية. ووفقًا للآلية الحالية، يجب أن يحصل المرشح النهائي على توصية من مجلس الأمن، ولتجاوز هذه المرحلة، يلزم الحصول على تسعة أصوات على الأقل مؤيدة، دون استخدام حق النقض (الفيتو) من قبل الأعضاء الدائمين؛ ثم تقوم الجمعية العامة بتعيينه.
لهذا السبب، فإن التنافس على منصب الأمين العام ليس في الواقع مجرد منافسة بين المرشحين، بل هو أيضًا ساحة للتشاور والتأثير من قبل الحكومات والجماعات السياسية في عواصم العالم المؤثرة.
غضب الكيان الصهيوني من غوتيريش
من الأسباب التي تجعل هذه الانتخابات مهمة للكيان الصهيوني هو تجربة العلاقات المتوترة بينه وبين الأمم المتحدة خلال فترة ولاية غوتيريش.
توترت العلاقات بين الجانبين منذ بدء حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وأثارت تصريحات غوتيريش، التي أكد فيها أن هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول لم يكن بمعزل عن السياق، غضب المسؤولين الإسرائيليين. وتصاعدت هذه الخلافات منذ ذلك الحين بشأن الوضع الإنساني في غزة، وأنشطة وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، والعملية العسكرية في غزة، ودور قوات الأمم المتحدة في المنطقة.
وبلغ التوتر ذروته عندما أعلن الكيان الإسرائيلي غوتيريش "شخصية غير مرغوب فيها" ومنعه من دخول الأراضي الخاضعة لسيطرته. رفضت الأمم المتحدة هذا الإجراء، ودعم مجلس الأمن غوتيريش.
كما مارس الكيان الإسرائيلي ضغوطًا واسعة النطاق على الأونروا، ودعم حظر أنشطة الوكالة داخل الأراضي الخاضعة لسيطرته. وقد قوبل هذا الإجراء بردود فعل دولية، وأثار مخاوف بشأن مستقبل المساعدات المقدمة للفلسطينيين.
في ظل هذه الظروف، من الطبيعي أن ترغب تل أبيب في أن يتبنى الأمين العام القادم للأمم المتحدة نهجًا مختلفًا عن نهج غوتيريش. شخصٌ، من وجهة نظر الكيان الصهيوني، أقل انتقادًا لأفعاله.
بعد التصويت غير الرسمي الأول لمجلس الأمن، صرّح السفير الصهيوني لدى الأمم المتحدة بأن على الأمين العام القادم مواجهة ما أسماه "معاداة السامية المؤسسية" في بعض أجزاء منظومة الأمم المتحدة، وإجبار الأمم المتحدة على احترام المساواة بين أعضائها. تُظهر هذه التصريحات أن تل أبيب تتوقع من الأمين العام القادم تغيير نهج الأمم المتحدة تجاه الكيان الصهيوني.
غرينسبان؛ اسمٌ مثيرٌ للجدل
من بين المرشحين الحاليين، حظي اسم ريبيكا غرينسبان باهتمامٍ خاص. فقد تصدّرت قائمة الأصوات في أول تصويت غير رسمي لمجلس الأمن، وإذا انتُخبت، ستكون أول امرأة وأول يهودية تتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة.
غرينسبان هي ابنة عائلة يهودية هاجر والداها من أوروبا إلى أمريكا الوسطى بعد المحرقة. لكن هذه الخلفية لا تعني بالضرورة أنها متحالفة مع سياسات الكيان الصهيوني.
ومن الجدير بالذكر أن منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، التي ترأسها غرينسبان، قد نشرت تقارير عديدة حول الخسائر الاقتصادية الناجمة عن احتلال الكيان الصهيوني للأراضي الفلسطينية. لذا، لا يمكن استنتاج أنها "مرشحة صهيونية" لمجرد خلفيتها العائلية.
وفي الوقت نفسه، يكتسب دور الولايات المتحدة أهمية بالغة. فواشنطن عضو دائم في مجلس الأمن، ولها الحق في عرقلة ترشيح أي مرشح باستخدام حق النقض (الفيتو).
كما أظهرت منافسة هذا العام أن للولايات المتحدة اعتباراتها الخاصة. فعلى سبيل المثال، اعترضت واشنطن على ترشيح ميشيل باشيليت، الرئيسة السابقة لتشيلي والمفوضة السامية السابقة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
من جهة أخرى، يُعدّ رافائيل غروسي مرشحًا مهمًا أيضًا؛ فهو يتمتع بخبرة واسعة في التعامل مع القوى الكبرى بفضل سنوات عمله على رأس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلا أنه واجه معارضة من روسيا. لذا، ورغم محاولة اللوبي الصهيوني التأثير على المناخ السياسي المحيط بالمرشحين وموقف الحكومات الغربية منهم، فإن القرار النهائي يعتمد على توازن دقيق بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة في مجلس الأمن.
في الواقع، يُمكن النظر إلى انتخاب الأمين العام القادم للأمم المتحدة كجزء من منافسة أوسع نطاقًا حول الدور المستقبلي للأمم المتحدة في النزاعات الدولية.
إذا كان الأمين العام القادم شخصًا تربطه علاقات وثيقة بالولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، وأقل ميلًا للدخول في مواجهة سياسية مع الكيان الصهيوني، فمن المرجح أن يكون المناخ الدبلوماسي المحيط بالقضية الفلسطينية أكثر ملاءمة لتل أبيب.
من جهة أخرى، إذا انتُخب شخصٌ أكثر استقلاليةً ونشاطًا في مجال القانون الدولي والقضايا الإنسانية، سيزداد احتمال استمرار الأمم المتحدة في انتقاد حرب غزة وسياسات النظام الإسرائيلي.
لذا، فإن التنافس على خلافة غوتيريش ليس مجرد تنافس على منصب دولي، بل هو جزء من معركة أوسع نطاقًا حول مستقبل موقف الأمم المتحدة من القضية الفلسطينية، ومدى قدرة هذه المنظمة على ممارسة ضغط سياسي على النظام الإسرائيلي.
