الوقت - حصدت فنلندا، للعام التاسع على التوالي، لقب أسعد دولة في العالم؛ لكن اللافت في الأمر أن الباحثين لا يعزون سعادة الفنلنديين إلى الثراء أو ارتفاع الدخل أو نمط الحياة المترف حصراً. ويكشف تقرير “السعادة العالمية 2026” أن ما يجعل مواطني هذا البلد أكثر رضاً عن حياتهم هو حزمةٌ متكاملة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية؛ بدءاً من الثقة والعلاقات الاجتماعية، وصولاً إلى الشعور بالأمان وجودة الحياة.
وأعاد تقرير “السعادة العالمية”، الذي يُعدّ بالتعاون بين مركز أبحاث الرفاه في جامعة أكسفورد، ومؤسسة غالوب، وشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، تصدير فنلندا إلى المركز الأول هذا العام أيضاً، بعد أن سجّلت 7.764 درجة من أصل 10 في تقييم جودة الحياة. وتلتها في القائمة أيسلندا، ثم الدنمارك، فكوستاريكا.
وثمّة ملاحظة جوهرية بشأن هذا التصنيف: فـ“أسعد دولة” لا تعني بالضرورة أن سكانها يضحكون أكثر، أو أن حياتهم أكثر حماسةً وإثارةً.
فالمؤشر الأساسي في التقرير هو تقييم الأفراد أنفسهم لجودة حياتهم؛ حيث يُسأل الناس عن كيفية تقييمهم لحياتهم الحالية على سلّم يمتد من صفر إلى عشرة، بحيث يمثّل الصفر أسوأ حياة ممكنة، والعشرة أفضل حياة ممكنة. ويُبنى التصنيف النهائي على أساس متوسط الإجابات على مدى ثلاث سنوات، للحدّ من تأثير التقلبات قصيرة المدى على النتائج.
وعليه، فإن القول بأن فنلندا هي أسعد دولة في العالم يعني، في واقع الأمر، أن مواطنيها يقيّمون جودة حياتهم، في المتوسط، بدرجة أعلى من غيرهم.
وتُظهر التقارير الخاصة بدول شمال أوروبا أن الدخل ليس إلا واحداً من العوامل المؤثرة في الرضا عن الحياة. فإلى جانب الدخل، يرتبط الدعم الاجتماعي، والأمل في حياة صحية، وحرية اختيار مسار الحياة، والسخاء، وتصوّرات الناس عن مستوى الفساد، بالفروقات القائمة بين الدول من حيث درجة الرضا عن الحياة.
ولهذا السبب بالضبط، يمكن لبعض الدول الأقل ثراءً نسبياً أن تحتلّ مراتب متقدمة في هذا التصنيف. فعلى سبيل المثال، حلّت كوستاريكا في المركز الرابع عالمياً، محقّقةً بذلك أعلى مرتبة تاريخية تصل إليها دولة من أمريكا اللاتينية.
ومن أهم المفاتيح التي تفسّر نجاح دول شمال أوروبا مفهوم “الثقة الاجتماعية”. فقد أظهرت الأبحاث المنشورة في إطار تقرير السعادة العالمية أن مواطني هذه الدول يتمتعون بمستوى مرتفع من الثقة الاجتماعية؛ وهي عوامل يرتبط توفّرها ارتباطاً وثيقاً بارتفاع درجة الرضا عن الحياة.
