الوقت - لا تزال أزمة تكاليف المعيشة في تونس مستمرةً، بعد نحو 16 عاماً على انطلاق الاحتجاجات المعروفة بـ«الربيع العربي»، حيث سجّلت أسعار كثيرٍ من السلع الأساسية ارتفاعاً حاداً مقارنةً بعام 2010. وقد كشفت شبكة «الجزيرة»، من خلال رصدها لأسعار المواد اليومية ومقارنتها بأسعارها قبل الثورة التونسية، عن قفزةٍ لافتة في تكاليف الحياة داخل هذا البلد.
ووفقاً لهذا التقرير، فقد تراجعت قيمة الدينار التونسي أمام الدولار الأمريكي بنسبةٍ تقارب النصف خلال هذه الفترة. فقد كان الدولار الواحد يساوي في ديسمبر 2010 نحو 1.47 دينار تونسي، بينما يبلغ سعره اليوم نحو 2.93 دينار، أي أن الدينار خسر من قيمته أمام الدولار نحو 49 بالمئة. ولمّا كانت تونس تستورد جانباً كبيراً من حاجتها الغذائية، فإن انخفاض قيمة العملة الوطنية أدّى إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، وانعكس ذلك في النهاية على أسعار السلع التي يدفعها المستهلك.
وسعياً لتوضيح حجم هذا الارتفاع، قارنت «الجزيرة» أسعار عددٍ من السلع الأساسية بأسعارها في عام 2010. فقد ارتفع سعر الطماطم بنسبة 113 بالمئة، والدجاج بنسبة 118 بالمئة، وزيت الطبخ بنسبة 129 بالمئة. بل إن بعض السلع سجّلت ارتفاعاتٍ أكبر بكثير؛ فقد ارتفع سعر الجزر بنسبة 428 بالمئة، والبطاطا بنسبة 268 بالمئة. أما لحم البقر، الذي كان من قبل أحد أغلى عناصر السلة الغذائية التونسية، فقد ارتفع سعره بنحو 290 بالمئة، ليصل الآن إلى 52.5 ديناراً للكيلوغرام الواحد، أي ما يعادل نحو 18 دولاراً.
في المقابل، لم يرتفع سعر الأرز، الذي لا يزال خاضعاً لرقابة الدولة على الأسعار، إلا بنحو 10 بالمئة. وتقول «الجزيرة» إن هذا الأمر يكشف كيف تمكّنت سياسة الدعم الحكومي، في بعض السلع، من الحدّ من ارتفاع أسعارها، بينما شهدت السلع الخارجة عن قائمة الدعم قفزاتٍ أكبر بكثير.
ولا تنحصر الأزمة في الأرقام والإحصاءات وحدها، بل تتجلّى آثارها كذلك في الحياة اليومية للتونسيين. يقول أحد المواطنين التونسيين، في حديثٍ لـ«الجزيرة»، إن حتى إضافة 20 أو 30 أو 40 ديناراً أخرى لم تعد تحمل القدرة الشرائية السابقة، مضيفاً أن أسعار المواد الغذائية ومنتجات الألبان ومواد التنظيف، وحتى المرطبات المدرسية، قد ارتفعت جميعها.
وتحدّث مواطن آخر عن تصاعد الضغط على الأسر، مؤكداً أن وسائل النقل العام لم تعد موثوقةً، مما دفع الناس إلى الاعتماد أكثر على السيارات الخاصة. وأضاف أن زيت الطبخ، الذي كان سعره في الماضي نحو دينارٍ واحد لليتر، بلغ الآن نحو 5 دنانير.
وقد انطلقت الاحتجاجات في تونس يوم 17 ديسمبر 2010، بعد إحراق محمد البوعزيزي، البائع المتجوّل التونسي الشاب، نفسه؛ احتجاجاتٌ كانت البطالة والفساد وارتفاع تكاليف المعيشة وعنف الشرطة من أبرز أسبابها، وانتهت في نهاية المطاف بسقوط زين العابدين بن علي، رئيس تونس في ذلك الوقت. ثم سرعان ما امتدّت هذه التحوّلات إلى دولٍ عربية أخرى، وعُرفت باسم «الربيع العربي».
لكن بعد مرور نحو 16 عاماً، لا تزال أزمة المعيشة تُعدّ من أخطر المشكلات التي تواجه تونس. ويقول «حامد المطري»، المهندس والناشط السياسي الذي شارك في احتجاجات 2010، لـ«الجزيرة» إن تطلّعات الناس كانت في تلك الفترة عالية جداً، لكن نتائج السنوات الخمس عشرة الماضية كانت بالنسبة له «مخيّبة للآمال إلى حدٍّ كبير». ويرى أن الاقتصاد التونسي تعرّض لتراجعٍ حاد في السنوات الأخيرة، وأن الاستثمار توقّف تقريباً بالكامل.
كما تشير «الجزيرة» إلى أن هذا الضغط الاقتصادي امتدّ إلى مجالاتٍ أخرى، كالتعليم والنقل، بل وحتى إلى المناسبات والاحتفالات العائلية. فقد اضطرّت بعض الأسر إلى شراء الكتب واللوازم المدرسية المستعملة لتوفير احتياجات أبنائها، بينما لم يعد بمقدور عددٍ من المواطنين شراء ملابس جديدة أو إقامة الاحتفالات المعتادة في المناسبات الدينية.
وقال مواطنٌ تونسي آخر إن ارتفاع الأسعار بلغ حدّاً «لم يعد الناس فيه قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية»، مشيراً إلى أن سعر اللحوم الحمراء ارتفع من نحو 20 ديناراً للكيلوغرام إلى 60 ديناراً أو أكثر. وأضاف أن أسعار الأدوية والسلع الأساسية، كالسكر والزيت والأغذية المعلّبة، شهدت ارتفاعاتٍ ملحوظة أيضاً.
ويقدّم تقرير «الجزيرة» في نهاية المطاف صورةً تكشف الهوّة بين ما تحقّق سياسياً من الثورة التونسية والوضع الاقتصادي الراهن في هذا البلد: فقد سقط النظام في عام 2011، لكن أزمة تكاليف المعيشة، التي كانت من أهمّ دوافع الاحتجاجات، لا تزال قائمةً، بل تعمّقت في بعض جوانبها.
بعبارةٍ أخرى، لم يستطع التغيير السياسي في تونس أن يترجم نفسه إلى تحوّلٍ مستقر في الأوضاع المعيشية لشريحةٍ واسعة من المجتمع، فيما لا يزال ارتفاع أسعار الغذاء، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وضعف الاستثمار، يفرض ظلاله الثقيلة على حياة الناس.
