الوقت - منذ أكثر من عقد، تقف صنعاء في قلب واحدة من أعقد أزمات المنطقة. فقد دخل اليمن حرباً قاسية جمعت ضده قوى إقليمية ودولية، وامتلكت الأطراف المقابلة تفوقاً كبيراً في السلاح والمال والقدرات الجوية والدعم السياسي. وكان الرهان واضحاً: إسقاط صنعاء، تفكيك قوتها، وإجبارها على التخلي عن قرارها المستقل.
غير أن السنوات كشفت أن الحروب لا تُحسم دائماً بحجم الطائرات أو قيمة الصفقات العسكرية. فقد يتحول الحصار إلى مدرسة، والضغط إلى مصدر خبرة، والعزلة إلى قدرة على الاعتماد على الذات. واليوم، بعد التطورات المتسارعة على الساحل الغربي اليمني وفي باب المندب، لم تعد صنعاء مجرد طرف محاصر داخل الحرب اليمنية، بل أصبحت لاعباً مؤثراً في أمن البحر الأحمر وحسابات الإقليم. وتشير تقارير حديثة إلى سيطرة قوات صنعاء على مدينة المخا واقترابها من جزر استراتيجية في باب المندب، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة بشأن أمن الملاحة والتجارة الدولية.
صنعاء تصنع واقعها بنفسها
لم تنتظر صنعاء إذناً من أحد كي تعيد ترتيب أوراقها. فمنذ بداية الحرب، عملت على بناء قدرات عسكرية وسياسية وأمنية مكّنتها من الصمود أمام القصف والحصار والضغوط المتواصلة. وقد ساعدها امتلاكها حضوراً على ساحل البحر الأحمر، إلى جانب تطوير وسائل الصواريخ والطائرات المسيّرة، على الانتقال تدريجياً من موقع الدفاع إلى موقع التأثير والردع.
ولا يعني ذلك أن صنعاء أصبحت قوة مطلقة أو أن الحرب انتهت لصالحها نهائياً، لكن المؤكد أنها لم تسقط كما توقع خصومها. فالقضية الأساسية ليست فقط السيطرة على مدينة أو جزيرة، بل القدرة على منع الخصم من فرض نهاية سياسية وعسكرية بالقوة. وفي هذا المعنى، أصبح الصمود نفسه أداة من أدوات القرار.
تكتسب التطورات الأخيرة أهمية خاصة بسبب موقع باب المندب. فهذا الممر البحري يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويُعد من أهم طرق التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا. ولذلك فإن أي تغير في ميزان القوة حوله ينعكس على شركات النقل، وأسواق الطاقة، وتكاليف التأمين، وحسابات القوى الكبرى. وقد أشار عدد من التقارير إلى أن التقدم على الساحل اليمني عزز قدرة أنصار الله على التأثير في هذا الطريق الحيوي، حتى مع إعلان صنعاء أن عملياتها تستهدف سفناً محددة وأن الملاحة الدولية لا ينبغي أن تتعرض للخطر.
هنا تظهر المفارقة الكبرى: الحصار الذي صُمم لإضعاف اليمن أسهم، بصورة غير مباشرة، في دفع صنعاء إلى تطوير نموذج يعتمد على الموارد المحلية والقدرة على التحمل. فكلما طال أمد الحرب، تراجعت رهانات الخصوم على الانهيار السريع، وازدادت أهمية الخبرة التي تراكمت لدى الطرف اليمني في إدارة الصراع.
الرياض والبحث عن مخرج
دخلت السعودية الحرب وهي تراهن على حسم سريع يعيد تشكيل موازين القوة في اليمن. إلا أن استمرار الحرب سنوات طويلة أظهر حدود التفوق العسكري عندما لا يرافقه مسار سياسي قابل للحياة. فالقصف والضغط الاقتصادي قد يسببان أضراراً كبيرة، لكنهما لا يضمنان إنهاء الصراع أو إنتاج سلطة مستقرة.
ومع اتساع المخاطر في البحر الأحمر، أصبحت الرياض أمام معادلة أكثر تعقيداً. فهي لا تواجه فقط تهديدات على الحدود أو هجمات متفرقة، بل تواجه احتمال تحول الساحة اليمنية إلى ورقة ضغط على صادرات النفط والتجارة الإقليمية. وقد أفادت تقارير بأن أنصار الله أعلنوا حصاراً بحرياً على السفن السعودية، بينما أكدت الرياض عزمها على حماية سفنها وفق ما تصفه بالقانون الدولي.
إن البحث عن دعم خارجي ليس دليلاً تلقائياً على الضعف، فالدول تتحالف عادة لحماية مصالحها. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاعتماد على القوى الخارجية بديلاً عن مراجعة أسباب الفشل الداخلي. فبعد سنوات من الحرب، لم يعد السؤال السعودي يقتصر على كيفية هزيمة صنعاء، بل أصبح يتصل بكيفية احتواء نفوذها .
أما الحديث عن التنسيق مع إسرائيل أو الاستعانة بها، فيحمل دلالة سياسية كبيرة لدى الرأي العام العربي. فإسرائيل تُنظر إليها تاريخياً بوصفها قوة احتلال، ولذلك فإن أي تعاون أمني معها يمكن أن يتحول إلى عبء أخلاقي وسياسي اللجوء إلى تحالفات صهيونية سوف يوسّع الفجوة بين الحكومات وشعوبها.
اعتراف بالفشل
إن طلب السعودية المساعدة من الكيان الإسرائيلي ليس خطوة عابرة، بل اعتراف واضح بفشل الرهان العسكري والسياسي الذي استمر أكثر من عقد. فالدولة التي دخلت الحرب وهي تمتلك المال والسلاح والتحالفات، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى طلب المعلومات والدعم من قوة احتلال طالما ادّعت الدفاع عن الأمن العربي. وقد أفادت تقارير بأن الرياض طلبت مساعدة استخباراتية عبر القيادة المركزية الأمريكية لمواجهة تهديدات صنعاء في باب المندب، مع بقاء هذه الاتصالات غير معلنة رسمياً من الطرفين. وهذا يكشف أن كل الشعارات التي رُفعت باسم حماية اليمن والأمن الإقليمي لم تكن سوى غطاء لمشروع فشل في تحقيق أهدافه، حتى اضطر أصحابه إلى الاستعانة بالعدو التاريخي للأمة.
الأشد خطورة أن السعودية لا تطلب المساعدة من دولة عربية، بل من كيان متورط في احتلال فلسطين وارتكاب الجرائم بحق الشعب الفلسطيني. فكيف يمكن لمن يرفع راية العروبة والإسلام أن يفتح أبواب التنسيق الأمني مع الكيان، ثم يقدمه للشعوب باعتباره حلاً لحماية الملاحة؟ إن الاستعانة بالكيان لا تحمي السيادة، بل تفرّط بها، ولا تصون الأمن العربي، بل تجعل المنطقة رهينة للمشاريع الصهيونية والأمريكية. لقد اختارت الرياض المكان الخطأ والجهة الخطأ، لأن الطريق إلى أمن اليمن والبحر الأحمر لا يمر عبر تل أبيب، وإنما عبر وقف العدوان، واحترام استقلال اليمن، والاعتراف بأن صنعاء طرف يمني لا يمكن إخضاعه بالتهديد أو الاستقواء بالخارج.
