الوقت - في عصر يوم الإثنين، 14 سبتمبر/أيلول 2026، تعرض المولوي يوسف كركيج، إمام جماعة أهل السنة في مسجد “محمد رسول الله (ص)” بمدينة زاهدان الإيرانية، لهجوم غادر من قِبل مسلحين مجهولين أمام باب منزله، ليفارق الحياة متأثراً بإصابته بطلقات نارية.
ويُعد هذا الاغتيال الحلقة الأحدث ضمن سلسلة من الهجمات التي استهدفت شخصيات دينية وأمنية في محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية خلال الأشهر الأخيرة. وقبل أيام قليلة من هذه الفاجعة، طالت يد الغدر عالم دين سني كردي في محافظة أذربيجان الغربية الإيرانية.
وحين نُمعن النظر في تطورات العام المنصرم في محافظة "سيستان وبلوشستان"، نُدرك أن الزمر الإرهابية، عبر تنفيذها اغتيالات عمياء وأخرى موجّهة، تسعى حثيثاً لزعزعة الاستقرار وافتعال جبهة أمنية جديدة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فلطالما شنت هذه الزمر المرتزقة هجمات على المخافر والمراكز الحكومية أو دوريات الشرطة، بل وتمادت في استهداف المواطنين الأبرياء بهجمات عشوائية، لبثّ الرعب والهلع في نفوسهم. ناهيك عن عمليات الاختطاف والسطو التي تُنفذ، في جوهرها، بغية تصوير المحافظة على أنها مرتع للانفلات الأمني.
غير أن استشهاد المولوي يوسف كركيج، وهو من علماء أهل السنة والبلوش الموالين للنهج الإسلامي الأصيل في مدينة زاهدان الإيرانية وإمام مسجد “محمد رسول الله (ص)”، يعكس مدى وقاحة وتجرؤ هذه الزمر الإرهابية وتماديها في غيها. لا سيما وأن هذا الشهيد، بوصفه شخصيةً دينيةً وناشطاً ثقافياً فذاً، لعب دوراً بارزاً في تقديم الرواية الصادقة والتحليل الصائب للأحداث الأخيرة التي شهدتها منطقة سيستان وبلوشستان، وكان دائم التحذير من مساعي العدو الرامية إلى زرع بذور الفتنة والشقاق بين الشيعة والسنة.
لقد كان المولوي كركيج عالماً ملتحماً بجماهيره، وقد نال، بفضل تواصله الوثيق مع الناس ومواقفه المشرفة الداعمة للوحدة الإسلامية، استحسان وإشادة سائر علماء الشيعة والسنة على حد سواء، كما كان حاضراً وفاعلاً بقوة في الميادين الاجتماعية والمناسبات الوطنية والدينية.
ومما لا شك فيه أن هذا العمل الإرهابي الجبان يحمل بصمات الزمر الإرهابية والعناصر التكفيرية المأجورة (وعلى رأسها زمرة “جيش الظلم”)، والمرتزقة المرتبطين بأجهزة استخبارات الدول المعادية لإيران.
ورغم أن التحقيقات الأمنية والقضائية تجري على قدم وساق لتحديد هوية العناصر الإرهابية بدقة بغية اعتقالهم وإنزال أشدّ العقوبات بحقهم، إلا أنه لا بد من اتخاذ تدابير جذرية للحيلولة دون تكرار مثل هذه الفواجع. ويجب ألا يغيب عن الأذهان أن خفايا مثل هذه الاغتيالات تنطوي على ثلاثة أهداف رئيسية:
الهدف الأول: إثارة النعرات الطائفية والقومية
إن استهداف علماء أهل السنة الذين تتماهى مواقفهم مع نظام الجمهورية الإسلامية، يمثّل هدفاً مستمراً للأعداء الوهابيين والصهاينة. وهؤلاء، وفي سعيهم المحموم لإحداث شرخ بين الشيعة والسنة وتأجيج الاضطرابات القومية، سيخططون لاغتيال المزيد من العلماء الموالين للنظام الإيراني؛ وهو ذات النموذج الذي تم اتباعه لدفع المجتمعات نحو هاوية التطرف في أفغانستان وباكستان.
الهدف الثاني: زعزعة استقرار سيستان وبلوشستان
إن الأعداء الأمريكيين والصهاينة والوهابيين، الذين يناصبون العداء لإيران ومحور المقاومة، يرمون من وراء اغتيال الشخصيات المعتدلة والمؤمنة بالوحدة والتقريب بين المذاهب، إلى ضرب الاستقرار وإشعال فتيل التوتر في المناطق الشرقية لإيران، لا سيما في محافظة سيستان وبلوشستان.
الهدف الثالث: حرب الوكالة التي تديرها أجهزة الاستخبارات
فمن أي زاوية نظرنا إلى عمليات الاغتيال والانفلات الأمني في سيستان وبلوشستان، تتجلى لنا بوضوح بصمات ومخططات أجهزة الاستخبارات الأمريكية وحلفائها في المنطقة. وهذا يبرهن على أن الزمر الانفصالية والتكفيرية في جنوب شرق البلاد، تتلقى دعماً مالياً وتسليحياً من قِبل أجهزة استخبارات إقليمية ودولية (على غرار وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “CIA” والموساد وغيرها)، بهدف استنزاف القدرات الأمنية للبلاد في المناطق الحدودية.
ومما لا ريب فيه، أنه كلما تجرع العدو الأمريكي-الصهيوني مرارة الهزيمة والتخبط في مواجهته المباشرة مع إيران، شهدنا تصاعداً في وتيرة الاغتيالات العمياء وهجمات الزمر الإرهابية على المخافر الحدودية ودوريات الشرطة وغيرها.
وختاماً، يمكن القول إن أمريكا قد وقعت، بطريقة أو بأخرى، في مأزق مضيق هرمز، وأن منفذها الوحيد للهروب من هذا الفخ يكمن في دعم وتسليح الزمر الإرهابية في المناطق الحدودية الشرقية والغربية. إلا أن يقظة وحنكة القوات الأمنية والعسكرية الإيرانية، لم تترك مجالاً لمزيد من التحريض لعناصر زمرة “جيش الظلم” الإرهابية وأمثالها. ولا شك أن مرتكبي جريمة استشهاد المولوي كركيج سينالون جزاءهم العادل عقب إلقاء القبض عليهم، كما أن أجهزة الاستخبارات المتورطة في التخطيط لمثل هذه الهجمات الدنيئة، ستبوء حتماً بالفشل الذريع.
