الوقت - مرّت قرابة ثلاث سنوات على عملية "طوفان بالأقصى"، لكن المجتمع الصهيوني لم يتعافَ بعد من الصدمة العميقة التي أحدثها ذلك اليوم، وهو حادث تجاوزت آثاره النطاق الأمني، ليصبح أحد العوامل الحاسمة في المعادلات السياسية للأراضي المحتلة.
وفقًا لأحدث استطلاع رأي أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي، قال 68% من الصهاينة إن أحداث السابع من أكتوبر ستلعب دورًا هامًا في اختيار الحزب الذي سيصوتون له في انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر. ومن بين من يُعرّفون أنفسهم باليساريين، اعتبر 76.5% هذه القضية عاملًا محوريًا في قرارهم، بينما بلغت هذه النسبة 74% بين المعتدلين و66% بين اليمينيين.
أفاد 26% فقط من أبناء الطائفة الحريدية بأن هذه القضية كانت محورية بالنسبة لهم في الانتخابات، مقارنةً بـ 81% من الصهاينة العلمانيين و56% من الصهاينة المتدينين.
كما أولى الصهاينة أهميةً قصوى لمواقف الأحزاب بشأن السياسة الخارجية والقضايا الأمنية، حيث ذكر 39% من المستطلعة آراؤهم أنها العامل الأول أو الثاني الأهم في تحديد خيارهم الانتخابي. وجاءت القضايا الاقتصادية وتكاليف المعيشة في المرتبة الثانية بنسبة 38%.
تُظهر هذه الأرقام بوضوح أن هجوم حماس لم يعد قضية تاريخية أو أمنية من الماضي، بل أصبح قضيةً حاضرةً في المشهد السياسي الراهن في الأراضي المحتلة.
كانت عملية طوفان الأقصى، التي أسفرت عن مقتل نحو 1200 صهيوني وأسر 251، أكبر صدمة أمنية في التاريخ الحديث للكيان الصهيوني. إلا أن أهمية هذا الحادث لا تقتصر على عدد الضحايا أو نطاق العملية. كانت القضية الرئيسية للمجتمع الصهيوني هي انهيار الصورة التي بُنيت على مر السنين للتفوق العسكري والاستخباراتي والأمني المطلق لإسرائيل.
لطالما عاش الصهاينة على فكرة أن الجيش وجهاز المخابرات وشبكة الأمن في البلاد قادرة على تحديد أي تهديد واحتوائه قبل وصوله إلى الحدود، لكن السابع من أكتوبر/تشرين الأول حطم هذه الصورة.
في ذلك اليوم، تمكنت قوات المقاومة الفلسطينية من عبور الحواجز الحدودية، ومهاجمة المستوطنات والقواعد العسكرية، والسيطرة على أجزاء من المناطق المحيطة بغزة لساعات. من هذا المنظور، لم يكن ما واجهه المجتمع الإسرائيلي مجرد هجوم عسكري، بل انهيار عقيدة أمنية.
جرح لم تداويه حتى الحروب المتعاقبة
بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحويل الحرب إلى محور جديد لإعادة بناء الردع واستعادة قوة النظام الأمنية. لذا، ولتحقيق ذلك، نُفذ الهجوم الواسع على غزة واحتلالها وتدميرها، والعملية العسكرية في لبنان، ثم المواجهة المباشرة مع إيران، جميعها في إطار استعراض للقوة واستعادة زمام المبادرة الأمنية لتل أبيب.
لكن المشكلة تكمن في أن أياً من هذه الحروب لم يُجب على السؤال المحوري الذي يطرحه المجتمع الصهيوني: كيف سمحت تل أبيب، رغم امتلاكها أحد أقوى الجيوش وأجهزة الاستخبارات في المنطقة، بتنفيذ عملية 7 أكتوبر؟
حتى العمليات العسكرية الناجحة لا تُجيب على هذا السؤال. فرغم أن الجيش الإسرائيلي حوّل غزة إلى ركام، واستهدف بنية حماس التحتية، وتوغل في لبنان، وهاجم إيران، فإن هذه الأعمال لا تُفسر سبب فشل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في منع الهجوم قبل 7 أكتوبر.
لهذا السبب، فشلت الحروب التي أعقبت طوفان الأقصى في مداواة هذا الجرح، لأن القضية الرئيسية للرأي العام في الأراضي المحتلة ليست مجرد القوة العسكرية بعد الهجوم، بل المسؤولية عن الفشل قبل الهجوم.
رأس حربة الانتقادات الموجهة للجيش أو لنتنياهو
على الرغم من جهود نتنياهو لتقديم صورة قوية لنفسه وتهميش قضية 7 أكتوبر، فقد عادت هذه القضية لتصبح أحد المحاور الرئيسية للحملة الانتخابية في الأيام الأخيرة، مسلطةً الضوء على مسؤولية رئيس الوزراء عن هذا الإخفاق الأمني.
ليس هذا من قبيل الصدفة، ويعلم خصوم نتنياهو أن نقطة ضعفه لا تكمن في الشعارات العسكرية أو في ادعاءات التصدي للتهديدات الخارجية، بل في الإجابة على سؤال: من المسؤول عن أكبر إخفاق أمني في الأراضي المحتلة؟
على مدى السنوات الثلاث الماضية، حاول نتنياهو تصوير الجيش وأجهزة المخابرات على أنهما المتسببان الرئيسيان في هذا الإخفاق لتجنب الانتقادات الداخلية. بل وردت تقارير تفيد بتدمير وثائق تتعلق بدوره ومسؤوليته في هذا الحادث الأمني. ومع ذلك، لم تنجح هذه الجهود في طي صفحة قضية 7 أكتوبر في أذهان الرأي العام.
يؤكد النقاد أن نتنياهو، بصفته أعلى مسؤول سياسي والمسؤول عن تحديد السياسات الأمنية للكيان الصهيوني، لا يمكنه التهرب من تحمل مسؤوليته السياسية عن هذا الإخفاق الاستراتيجي.
ازدادت حساسية هذه القضية مع نشر تقارير جديدة حول التحذيرات التي سبقت السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
وأثارت التقارير الأخيرة التي تفيد بأن رئيس الإمارات محمد بن زايد قد حذر نتنياهو قبل العملية تساؤلات جديدة حول علم رئيس الوزراء باحتمالية وقوع مثل هذا الهجوم. ورغم نفي نتنياهو تلقيه التحذير، إلا أن نشر هذه التقارير عشية الانتخابات زاد من الضغط السياسي عليه.
في غضون ذلك، دعا قادة المعارضة، بمن فيهم غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت، وهما خصمان قويان لنتنياهو في الانتخابات المقبلة والمرشحان الرئيسيان لرئاسة الوزراء، إلى المساءلة وإجراء تحقيق مستقل في تصرفات الحكومة والأجهزة الأمنية قبل هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول.
يجب البحث عن سبب استمرار هذه الحادثة في تداعياتها المستمرة. فقضية الأسرى، والحرب الطويلة في غزة، والخلاف حول استمرار الحرب أو إنهائها، واحتجاجات عائلات الأسرى، وأزمة الثقة في الحكومة، والنزاع حول تشكيل لجنة تحقيق، كلها عوامل ساهمت في إبقاء قضية 7 أكتوبر/تشرين الأول مفتوحة.
لذا، إذا تم تحديد المسؤوليات عن هذه الحادثة، ومحاسبة الجناة، ووضع استراتيجية أمنية جديدة، فسيكون بإمكان المجتمع الصهيوني تجاوز هذه القضية تدريجيًا. ولكن عندما تبقى الأسئلة بلا إجابة، تتحول الحادثة من حدث تاريخي إلى جرح سياسي دائم، وهذا ما حدث بالفعل في الأراضي المحتلة.
نقطة ضعف نتنياهو والليكود
يُعدّ هذا الوضع بالغ الأهمية لنتنياهو والليكود، إذ قد تتحوّل الانتخابات المقبلة إلى استفتاء على أدائه.
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى منافسة حامية؛ ففي أحد أحدثها، يتساوى حزب ياشار بزعامة آيزنكوت وحزب الليكود بزعامة نتنياهو تقريبًا، ولا يستطيع أيٌّ من المعسكرين الرئيسيين حسم الأغلبية البرلمانية بسهولة. لذا، قد يلعب انتقاد أداء نتنياهو في أحداث 7 أكتوبر دورًا حاسمًا في نتيجة التصويت خلال الأسابيع المتبقية.
من جهة أخرى، لم يعد بإمكان نتنياهو تجاهل مسألة المسؤولية الداخلية بالتركيز على التهديدات الخارجية.
وقد ركّز خصومه على هذه النقطة تحديدًا: تحتاج تل أبيب إلى رئيس وزراء قادر على ضمان الأمن لمواجهة الأعداء الخارجيين، ولكن كيف يُمكن لرئيس وزراء شهد أكبر إخفاق أمني للنظام خلال فترة ولايته أن يُقدّم نفسه على أنه الخيار الوحيد لضمان الأمن؟ لذلك، قد تُصبح هذه المسألة نقطة ضعف نتنياهو الانتخابية وتُنهي مسيرته السياسية. مع أخذ ذلك في الاعتبار، ومع اقتراب موعد الانتخابات، لم تتضاءل أبعاد أحداث السابع من أكتوبر فحسب، بل ازدادت بروزًا.
في نهاية المطاف، بالنسبة لنتنياهو، لا تُمثل الانتخابات المقبلة مجرد منافسة على مستقبل الكيان الصهيوني، بل هي أيضًا منافسة على رواية أحداث السابع من أكتوبر.
إذا استطاع أن يُظهر نفسه كقائد قوي قاد إسرائيل خلال سلسلة من الحروب والأزمات منذ تلك الهزيمة، فسيكون لديه فرصة لتحقيق نصر آخر. أما إذا استطاع منافسوه تحويل الانتخابات إلى استفتاء على مسؤوليته عن تلك الهزيمة، فإن الحادثة نفسها التي حاول نتنياهو تهميشها بالحروب التي تلتها، قد تُصبح في نهاية المطاف العامل الأهم في هزيمته السياسية.
