الوقت- بينما يواصل الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع تكرار خطاب متفائل يصف فيه بلاده بأنها "وُلدت من جديد" بعد رفع العقوبات الدولية، مؤكداً خلال مشاركته الأخيرة في قمة الإعلام العربي بدبي أن سوريا تحولت من مشكلة كبيرة إلى فرصة عظيمة يستفيد منها الجميع وأصبحت ممراً تجارياً آمناً بين الشرق والغرب، تكشف الشوارع السورية واقعاً مغايراً تماماً لهذا الخطاب الرسمي المشرق. فقد شهدت البلاد، في الثالث عشر من سبتمبر/أيلول الجاري، ما وصفه ناشطون بأنه أكبر رد فعل شعبي غاضب على قرار حكومي منذ سقوط النظام السابق، تمثل في احتجاجات واسعة عمّت محافظات متعددة اعتراضاً على قرار رفع أسعار المحروقات، تضمنت قطعاً للطرقات وشعارات غاضبة، في مؤشر صريح على اتساع الفجوة بين الرواية الرسمية المتفائلة والواقع المعيشي الخانق الذي يعيشه غالبية السوريين. ويصف متابعون للشأن السوري هذا التباين بأنه أوضح دليل حتى الآن على أن مقاييس النجاح التي تتبناها الحكومة في خطابها الدولي، والمرتبطة أساساً بالإنجازات الدبلوماسية والاقتصادية الكلية، لا تتطابق بالضرورة مع المقاييس التي يقيس بها المواطن السوري العادي نجاح المرحلة الانتقالية في حياته اليومية المباشرة.
إنجازات دبلوماسية لم تنعكس بعد على حياة المواطن
من المفارقات اللافتة أن هذه الاحتجاجات تتزامن مع سلسلة إنجازات دبلوماسية واقتصادية حققتها الحكومة السورية الانتقالية خلال الأشهر الأخيرة، إذ نجحت دمشق، بدعم سعودي وتركي مباشر تمثل في جهود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في إقناع المجتمع الدولي برفع غالبية العقوبات المفروضة على سوريا منذ سنوات طويلة، تُوّجت مؤخراً بطي مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بندَ عدم الامتثال المفتوح بحق سوريا منذ عام 2011 ورفعه نهائياً عن جدول أعماله. كما أرسلت السعودية مساعدات غذائية وطبية عاجلة إلى سوريا براً وجواً، ضمن مسار عربي أوسع لإعادة دمج دمشق في محيطها الإقليمي بعد سنوات من العزلة. غير أن هذه الإنجازات الدبلوماسية الكبرى، رغم أهميتها الاستراتيجية على المدى الطويل، لم تنعكس بعد بشكل ملموس على الحياة اليومية للمواطن السوري العادي، الذي لا يزال يعاني من تدهور مستمر في القدرة الشرائية وارتفاع متسارع في أسعار السلع الأساسية والوقود، ما يفسر جانباً مهماً من حدة الغضب الشعبي المتفجر رغم الانفراج الدبلوماسي المعلن.
مطالب المحتجين: من الوقود إلى العدالة الاجتماعية
لا تقتصر مطالب المحتجين على مجرد التراجع عن قرار رفع أسعار المحروقات، بل تتجاوزه لتطال مطالب أعمق تتعلق بالشفافية في القرارات الاقتصادية ومراعاة الأوضاع المعيشية القاسية لغالبية السكان، وسط دعوات متكررة لإشراك المواطنين والخبراء الاقتصاديين في القرارات المصيرية التي تمس حياتهم اليومية مباشرة، بدلاً من فرضها بقرارات فوقية مفاجئة دون تمهيد أو تدابير مصاحبة تخفف من وطأتها. وتتقاطع هذه الاحتجاجات الاقتصادية مع قلق أممي متصاعد إزاء تدهور الأوضاع في مناطق أخرى من البلاد، وعلى رأسها محافظة السويداء، حيث عبّر مجلس الأمن الدولي عن قلقه إزاء استمرار التوترات الأمنية والإنسانية هناك، في مؤشر على أن أزمة الثقة بين الحكومة الانتقالية وشرائح واسعة من السوريين لا تقتصر على الملف الاقتصادي وحده، بل تمتد لتشمل ملفات أمنية وسياسية واجتماعية متشابكة تتطلب معالجة شاملة لا معالجات جزئية متفرقة. ويرى مراقبون أن استمرار تعدد بؤر الاحتجاج والقلق الشعبي، من الوقود إلى الأوضاع الأمنية في السويداء، يشكل مؤشراً تراكمياً على أن التحديات الداخلية التي تواجهها الحكومة الانتقالية أوسع بكثير من أي أزمة سعرية منفردة، وأنها تستدعي معالجة سياسية واقتصادية متكاملة بدلاً من التعاطي معها كحوادث منفصلة يمكن احتواء كل منها على حدة.
حكومة الشرع بين لغة الإصلاح ولغة الاحتواء الأمني
تعاملت السلطة الانتقالية، مع هذه الموجة الاحتجاجية بخطاب مزدوج يجمع بين تبرير القرار بضرورات اقتصادية موضوعية من جهة، ومحاولات احتواء الغضب الشعبي بوعود إصلاحية عامة من جهة أخرى، دون أن تصدر حتى الآن تنازلات ملموسة أو مراجعة فعلية للقرار المثير للجدل. وقد لوحظ أن الحكومة تراهن بشكل كبير على الإنجازات الدبلوماسية الخارجية، كرفع العقوبات واستعادة العلاقات الإقليمية، كوسيلة لبناء شرعية شعبية تعوّض عن غياب إنجازات ملموسة على الصعيد المعيشي اليومي، وهو رهان يبدو أنه بدأ يصطدم بواقع أن المواطن السوري، بعد سنوات طويلة من الحرب والحرمان، ينتظر نتائج فورية وملموسة على مائدته وفي جيبه، لا وعوداً مستقبلية مرتبطة بمسارات دبلوماسية معقدة يصعب على المواطن العادي إدراك أثرها المباشر على حياته اليومية القريبة.
اختبار حقيقي لمرحلة ما بعد العقوبات
في نهاية المطاف، تمثل هذه الاحتجاجات المتصاعدة اختباراً حقيقياً مبكراً لقدرة الحكومة السورية الانتقالية على ترجمة إنجازاتها الدبلوماسية الكبرى إلى تحسن ملموس وسريع في حياة المواطنين، وهو الاختبار الذي ستُقاس عليه شرعيتها الشعبية أكثر من أي نجاح دبلوماسي خارجي مهما بلغت أهميته الاستراتيجية. فرفع العقوبات وعودة سوريا إلى محيطها الإقليمي والدولي خطوات ضرورية لا شك فيها لإعادة بناء الدولة، لكنها تبقى غير كافية بمفردها إن لم تقترن بإصلاحات اقتصادية داخلية شفافة تراعي القدرة الشرائية المنهكة للمواطن السوري، وبآلية حوار حقيقية تُشرك الشارع في القرارات المصيرية بدلاً من فرضها عليه بشكل مفاجئ. ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل تنجح الحكومة الحالية المؤقتة في سوريا في سد هذه الفجوة المتنامية بين الخطاب الدبلوماسي المتفائل والواقع المعيشي القاسي قبل أن يتحول الغضب الشعبي المتقطع إلى أزمة ثقة شاملة تهدد استقرار المرحلة الانتقالية برمتها؟
