الوقت - على مدار أكثر من أربعة عقود خلت، استضاف منبر الجمعية العامة مراراً رؤساء الجمهورية وكبار المسؤولين الإيرانيين. ومنذ فجر الثورة الإسلامية في إيران وحتى يومنا هذا، اغتنم الرؤساء الإيرانيين هذه الفرصة لبيان مواقف الجمهورية الإسلامية إزاء القضايا الإقليمية والدولية، حيث شكّل توجيه سهام النقد للسياسات الأمريكية محوراً حاضراً في صميم تلك الخطابات.
وكان محمد علي رجائي، رئيس الوزراء الإيراني آنذاك، أول مسؤول رفيع المستوى في الجمهورية الإسلامية يعتلي منصة الأمم المتحدة، لا من بوابة الجمعية العامة، بل عبر أروقة مجلس الأمن الدولي في الجلسة التي عُقدت في سبتمبر/أكتوبر 1980 إبان الحرب العراقية الإيرانية. وفي خطابه التاريخي المدوّي، وجّه أصابع الاتهام لأمريكا بدعم العراق واتخاذ الحرب ورقة ضغط على إيران. كما استند رجائي إلى السجل الأمريكي الحافل بالتدخلات في شؤون إيران، مندداً بـ “الإمبريالية الأمريكية”، ومؤكداً أن الحرب لن تكون أداةً لفرض الإملاءات الأمريكية في أزمة الرهائن.
وفي معرض انتقاده للوضع المهيمن على النظام الدولي، أوضح رجائي أنه من منظور الجمهورية الإسلامية، فإن بلوغ العلاقات الدولية المنشودة يقتضي إحداث تغيير جذري في صُنّاع القرار في هذا النظام، وفي آلياته وقوانينه العالمية؛ بُغية إرساء نظام تُصان فيه حقوق بني البشر كافةً، وتُمهّد فيه السبل لتعايش وعلاقات سلمية حقيقية. وما نشهده في الهيكل السياسي الملموس للنظام الدولي إنما هو وليد علاقات سياسية غير متكافئة، وفرض للهيمنة، وسطوة للقوى الكبرى، وتهيئة لتبعية سياسية للدول الخاضعة.
ووجّه رجائي تحذيراً شديد اللهجة للقوى العظمى والمستكبرين في العالم قائلاً: “عليهم، في ظل هزائمهم المتتالية، أن يكفّوا عن محاولاتهم البائسة ومؤامراتهم الدنيئة ضد الثورة الإسلامية الإيرانية، وليعلموا يقيناً أنهم لن يقدروا أبداً على إيقاف النمو والانتشار المطّرد لثورتنا الإلهية، التي أينعت بدماء خمسة وستين ألف شهيد، وتجذّرت بدماء آلاف الشهداء بعد انتصارها”.
خطاب القائد الشهيد
وتوجّه آية الله العظمی السيد علي خامنئي، قائد إيران الشهيد، بصفته رئيساً للجمهورية إلى نيويورك في سبتمبر 1987، حيث ألقى كلمته في الدورة الثانية والأربعين للجمعية العامة. وأكد القائد الشهيد في خطابه أن نظام الهيمنة يعتبر مصالح القوى المستكبرة مطلقةً ويستبيح مصالح الآخرين، وخير دليل على ذلك التواجد المثير للتوتر والمحفوف بالمخاطر للسفن الحربية الأمريكية في الخليج الفارسي، والذي جاء بحجة حماية المصالح الأمريكية دون أدنى اكتراث بمصالح دول المنطقة.
وأضاف القائد الشهيد أن العدو الأمريكي سبق وأن مارس أقسى الضغوط الممكنة على الشعب الإيراني بأيدي الشاه الخائن، وعقب انتصار الثورة، اتخذت المؤامرات العدائية أشكالاً أخرى؛ فكانت الخطوة الأولى السعي الحثيث لاختراق مؤسسات الثورة عبر عملاء العدو، ثم استغلال الانفتاح السياسي بعد عقود من القمع والتنكيل لتنظيم الأحزاب والزمر المناهضة للثورة.
كما لفت إلى أن قوى الهيمنة العالمية لا تفقه سوى لغة القوة والبأس، ومواجهة لغة القوة التي ينتهجونها لا تكون إلا بلسان القوة. إن يقظة الشعوب ووعيها بحقيقة نظام الهيمنة وأدواره، يشكّل أعظم سند لدول العالم الثالث، ومصدراً لقوة حقيقية في مواجهة طواغيت العصر. فالقوى المهيمنة هي المبرر الأكبر والناشر الأول للفساد الأخلاقي والجنسي والعقائدي.
وفي عهد رئاسة علي أكبر هاشمي رفسنجاني، لم يحضر الرئيس شخصياً اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان وزير الخارجية هو من ينوب عن إيران في هذه المحافل غالباً.
ومع تولّي السيد محمد خاتمي سدة الحكم في مايو/يونيو 1997، استمر الحضور الرئاسي في الجمعية العامة بشكل دؤوب. وفي خطاباته، وإلى جانب تأكيده على “حوار الحضارات”، انتقد سياسات القوى الكبرى، وعلى رأسها المساعي الأمريكية لبلورة نظام أحادي القطب. وصرّح خاتمي أن تصوّر عالمٍ تهيمن فيه قوة عظمى واحدة على سائر الدول ليس سوى “وهم”، مستنكراً السعي لتحقيق المصالح السياسية والمادية لفئة محدودة في أمريكا باسم الشعب الأمريكي. كما أرجع انعدام الثقة التاريخي بين البلدين إلى السجل المظلم للتدخل الأمريكي في إيران، لا سيما الدور الذي لعبته وكالة الاستخبارات المركزية في انقلاب 19 أغسطس 1953.
وبفوز محمود أحمدي نجاد في انتخابات عام 2005، استحالت نيويورك مجدداً إلى واحدة من أشدّ الساحات توتراً للمواجهات اللفظية بين إيران وأمريكا. فقد سجّل أحمدي نجاد حضوراً شبه سنوي في الجمعية العامة، جاعلاً من قضايا كـ “نزعة الهيمنة”، و"النظام الدولي الجائر"، والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وجرائم الكيان الصهيوني، والبرنامج النووي الإيراني، محاور ارتكاز لخطاباته.
وفي باكورة خطاباته عام 2005، انتقد أحمدي نجاد الازدواجية التي تتعامل بها القوى النووية مع الدول الأعضاء في معاهدة حظر الانتشار النووي، واصفاً سياسة تقييد التكنولوجيا النووية الإيرانية بأنها ضرب من “الفصل العنصري النووي”. وفي الوقت ذاته، شدّد على أن إيران، وانطلاقاً من مبادئها الدينية، لا تسعى لامتلاك أسلحة نووية.
وفي السنوات اللاحقة، اتخذ الهجوم على السياسة الخارجية الأمريكية، وحرب العراق، والهيمنة الغربية، والعقوبات، طابعاً أكثر حدةً. ففي خطابه عام 2008، اتهم القوى المهيمنة بتضليل الرأي العام بشأن حرب العراق واتخاذ أسلحة الدمار الشامل ذريعةً لها. وفي عام 2012، وهو آخر حضور له في الجمعية العامة، ظل النظام العالمي وهيمنة القوى الكبرى يتصدران صلب حديثه.
وحطّ السيد حسن روحاني رحاله في نيويورك عام 2013 حاملاً شعار “التعامل البنّاء”، واتسم خطابه الأول في الجمعية العامة بنبرة مغايرة؛ حيث تحدث عن “السلام والاعتدال”. إلا أنه في خطاباته اللاحقة، وجّه انتقادات لاذعة للسياسات الأمريكية. وشكّل عام 2018 نقطة التحول في خطاباته، إثر انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق النووي، حيث اتهم روحاني أمريكا بانتهاك المواثيق الدولية، واصفاً العقوبات الأحادية بـ “الإرهاب الاقتصادي”.
واعتبر روحاني أن محاربة التعددية ليست دليلاً على القوة، واصفاً الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي بأنه خرق للقانون الدولي. كما رأى أن السياسة الأمريكية ترتكز على “الغطرسة وفرض الإملاءات”، مؤكداً أنه: “لا يمكن جرّ أي دولة أو شعب إلى طاولة المفاوضات بالقوة”. وأضاف أن أمريكا قوّضت مصداقيتها بانسحابها من الاتفاق النووي وممارسة الضغوط على الدول الأخرى لانتهاك هذا الاتفاق.
محورية العدالة في خطابات الشهيد رئيسي
وفي خطاباته أمام الجمعية العامة، اتهم الشهيد السيد إبراهيم رئيسي أمريكا وسياسات القوى الكبرى بالتدخلية، والأحادية، والسعي المحموم للحفاظ على الهيمنة العالمية. وفي كلمته في سبتمبر 2021، متطرقاً إلى مشاهد اقتحام مبنى الكونغرس الأمريكي والانسحاب الفوضوي للقوات الأمريكية من أفغانستان، قال: “من الكابيتول إلى كابول، وُجهت رسالة واضحة للعالم مفادها أن نظام الهيمنة الأمريكي فقد مصداقيته تماماً، سواء في الداخل أو الخارج”.
وفي خطاب عام 2022، جعل من العدالة، ومناهضة الهيمنة، وحتمية تغيير النظام الدولي، محوراً أساسياً لحديثه. وأكد الشهيد رئيسي في خطابه: “إن نزعة الهيمنة وعقلية الحرب الباردة تؤرقان العالم اليوم، وحقبة جديدة من الاضطرابات باتت تهدد عالمنا. لقد تعاظم توق شعوب العالم لإحقاق العدالة، واشتدت إرادتها نحو التقدم والاستقلال والتمتع بالأمن. إن إيناع عقيدة المقاومة هو التجسيد الجلي لعزم الشعوب على إرساء العدالة”.
كما اتهم الشهيد رئيسي أمريكا بممارسة “البلطجة الاقتصادية والعسكرية والسياسية والدبلوماسية”. واعتبر العقوبات “أسلحة دمار شامل”، مشيراً إلى أن: “حظر الأدوية في ذروة جائحة كورونا، يجب أن يُسجل كـ ‘جريمة منظمة ضد الإنسانية’”. وفيما يخص الاتفاق النووي، أكد قائلاً: “أمريكا هي من داست على الاتفاق وليس إيران، ونحن لا نثق بوعود الإدارة الأمريكية”.
خطاب بزشكيان اللاذع ضد واشنطن
وألقى مسعود بزشكيان، الرئيس الحالي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، أولى خطاباته في الجمعية العامة في سبتمبر 2024، وسيراً على نهج الرؤساء السابقين، انتقد العقوبات والسياسات العدائية الأمريكية.
وفي عام 2025، ومع احتدام المواجهة بين إيران وأمريكا واندلاع حرب مفروضة ثالثة، شرارتها الاستشهاد المظلوم للقائد الشهيد وتلاميذ مدرسة "ميناب"، لتسجل بذلك صفحة سوداء أخرى في سجل الجرائم الأمريكية بحق الشعب الإيراني، اتخذ بزشكيان نبرةً أكثر حدةً. فقد أدان بشدة الهجمات الأمريكية والصهيونية على إيران، مشدداً على حق بلاده الأصيل في التكنولوجيا النووية السلمية، ومؤكداً أن إيران لن تركع أمام الضغوط الخارجية.
ونظراً لبلوغ السياسات التوسعية والعدائية لواشنطن ذروتها ضد إيران في الأشهر الأخيرة، اعتلى بزشكيان منبر الجمعية العامة هذا العام في ظروف استثنائية، ورداً على ترهات ترامب وتهديداته، صدح من خلف منبر الأمم المتحدة قائلاً: “لقد نعتنا الرئيس الأمريكي بالإرهابيين، في حين أننا نحن ضحايا الإرهاب”.
وأكد أن إيران عصية على الخضوع أمام لغة الضغط والتهديد، مضيفاً: “لقد شنوا هجوماً علينا، لكننا لم ننحنِ ولم نركع”. كما استنكر بزشكيان بشدة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على المدنيين، رافعاً صورة آية الله العظمی خامنئي وصور الأطفال الذين سقطوا ضحايا لتلك الهجمات.
وفي معرض حديثه عن التطورات الإقليمية التي عصفت بها نيران الحروب الأمريكية، وجّه الرئيس الإيراني تحذيراً للدول الأخرى قائلًا: “لن ينعم أحد في هذه المنطقة بالأمن بمفرده. فإما أن نبني صرح الأمن معاً، أو نتجرع مرارة انعدام الأمن معاً”. كما شدد على أن إيران تسعى لامتلاك القوة والقدرات الدفاعية صوناً لأمنها القومي، لا طمعاً في الاعتداء على الآخرين.
