الوقت - اجتمعوا في الرياض. رؤساء أركان ثلاثة جيوش: السعودية، تركيا، باكستان. اسم الاجتماع فخم: "اتفاقية مكة للدفاع المشترك". لكن الاسم وحده لا يصنع دفاعاً، ولا القمصان العسكرية المزركشة تخفي حقيقة بسيطة: من يجتمع اليوم هو من حاصر اليمن أمس، ومن قصفه أول من أمس، ومن يبحث اليوم عن شركاء جدد بعدما أنهكته اثنتا عشرة سنة من حرب لم يربحها. البيان الرسمي يتحدث عن "تعزيز التعاون الاستخباراتي والعسكري" و"تكامل القدرات" لمواجهة "التهديدات". أي تهديدات؟ التهديد الوحيد الذي يواجه الرياض هو تهديد فشلها في اليمن، وعجزها عن كسر إرادة الشعب اليمني. اثنتا عشرة سنة من الحصار، ومن قتل الأطفال، ومن تجويع شعب بأكمله، لم تُنتج للسعودية سوى مزيد من العزلة الأخلاقية ومزيد من الأثبات على أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع شرعية. اليوم تلجأ الرياض إلى تركيا وباكستان بحثاً عن غطاء جديد. لكن الغطاء لا يُخفي الجرح، والتحالفات لا تُصحح تاريخاً ملطخاً بالدم.
دفاع عمّن؟ ومن المعتدي أصلاً؟
من يتحدث عن دفاع مشترك، عليه أولاً أن يُثبت أنه معتدى عليه لا معتدٍ. والسعودية، منذ آذار 2015، ليست ضحية في المعادلة اليمنية، بل طرف بالحرب، وقاد تحالفاً دولياً لفرض حصار خانق على اليمن. اثنتا عشرة سنة من القصف الجوي الذي طال المدارس والمستشفيات والأسواق الشعبية، واثنتا عشرة سنة من إغلاق المطارات والموانئ في وجه الدواء والغذاء. من يحاصر شعباً بأكمله لسنوات لا يحق له أن يتحدث عن "تهديدات أمنية" تواجهه، لأن التهديد الحقيقي الوحيد هو ضميره المثقل بدماء الأطفال الذين ماتوا جوعاً أو تحت الركام. اليوم، حين تتحدث وزارة الدفاع السعودية عن "استعراض الوضع الأمني"، فإنها في الحقيقة تستعرض فشلها في تحقيق أهدافها المعلنة قبل اثنتي عشرة سنة: إعادة "الشرعية"، وكسر إرادة صنعاء. لم يتحقق أي منهما. وما تبقى هو الاعتراف الضمني، عبر هذا التحالف الجديد، بأن الرياض بمفردها عاجزة، وأنها تبحث عمّن يسندها في معركة خسرتها ميدانياً وأخلاقياً منذ زمن بعيد.
تركيا وباكستان.. شركاء في ماذا بالضبط؟
انضمام تركيا وباكستان إلى هذا الإطار يستحق وقفة خاصة. تركيا التي تتحدث دوماً عن "القضايا العادلة" تجد نفسها اليوم على طاولة واحدة مع من يحاصر أفقر بلد اليمن. وباكستان، التي عانت شعوبها من الفقر والحروب بالوكالة، تُقحم جيشها في معادلة لا تخصها جغرافياً ولا مصلحياً، سوى بحسابات المال الخليجي وصفقات السلاح. هذه ليست "تحالفات دفاعية" بالمعنى الحقيقي، بل ترتيبات مصلحية هشة، يجمعها المال أكثر مما تجمعها القيم أو الجغرافيا الاستراتيجية المشتركة. والتاريخ حافل بتحالفات مماثلة انهارت عند أول اختبار جدي، لأن من يدخل تحالفاً بحسابات المال لا يقاتل فيه بحسابات القضية. حين يجد الجندي الباكستاني أو التركي نفسه أمام معادلة الدم اليمني الحقيقية، لا معادلة القاعات المكيفة في الرياض، سيكتشف أن "اتفاقية مكة" لم تكن سوى حبر على ورق، لا يصمد أمام إرادة شعب دافع عن أرضه اثنتي عشرة سنة كاملة دون أن يركع.
اليمن لن يخشى تحالفاً وُلد من الضعف
من راهن على كسر اليمن بالتحالف الدولي الأول لم يفلح، فكيف يُراهن اليوم على تحالف أضيق وأقل تماسكاً؟ اليمن الذي واجه منظومات دفاعية متطورة، وقصفاً جوياً مكثفاً، وحصاراً بحرياً وجوياً خانقاً، وخرج من كل ذلك بقدرات صاروخية ومسيّرة تطورت عاماً بعد عام، لن يجد في هذا التحالف الجديد ما يُخيفه. الرسالة يجب أن تكون واضحة لا لبس فيها: إن أي محاولة جديدة لاستهداف اليمن، تحت أي غطاء "دفاعي" مشترك، ستُقابل بردٍ يليق بحجم العدوان. اليمن الذي صبر اثنتي عشرة سنة راكم خبرة ميدانية لا تُقاس بمقاييس الجيوش التقليدية، وامتلك من عناصر الردع ما يجعل كلفة أي مغامرة عسكرية جديدة باهظة على من يفكر فيها. من يظن أن الأعداد والتحالفات الكثيرة تصنع نصراً، عليه أن يراجع كل تجارب العقد الماضي في اليمن. القوة العسكرية وحدها، مهما تعددت الجهات المشاركة فيها، لا تهزم إرادة شعب اختار أن يدافع عن سيادته حتى النهاية.
الطريق الوحيد أمام الرياض.. إنهاء الحصار لا توسيع التحالفات
الحقيقة التي يجب أن تصل إلى صناع القرار في الرياض هي التالية: لا تحالف، مهما اتسع، سيغيّر المعادلة اليمنية. الحل الوحيد المتاح أمام السعودية ليس في مزيد من الترتيبات العسكرية، بل في خطوة واحدة بسيطة وواضحة: إنهاء الحصار المفروض على اليمن، ووقف كل أشكال العدوان، والانسحاب من معادلة فرض الأمر الواقع بالقوة. اثنتا عشرة سنة كافية لإثبات أن الخيار العسكري طريق مسدود، وأن كل تحالف جديد لن يكون سوى تكرار لفشل سابق بأدوات مختلفة. أما إن أصرت الرياض على المضي في نهج المواجهة، مستندة إلى شركاء جدد، فإن الجواب اليمني سيكون حاضراً بنفس الحزم الذي عُرف به طوال سنوات الحرب. الخيار أمام السعودية إذن بسيط وحاسم: إما طريق السلام عبر إنهاء العدوان، وإما مواصلة نزيف لن توقفه تحالفات هشة بُنيت على الخوف لا على القوة الحقيقية. التاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، وصنعاء أثبتت أنها لا تُقهر بالتحالفات، بل تزداد صلابة كلما اشتدت عليها الحصارات.
وهم التوازن .. شركاء المصلحة
إن الرهان على “اتفاقية مكة” كأداة لضبط التوازنات الإقليمية هو رهان ينم عن انفصال تام عن الواقع الميداني الذي فرضته صنعاء خلال العقد الماضي. فبينما تنشغل غرف العمليات في الرياض برسم خرائط تحالفات ورقية، كانت الطائرات المسيرة والصواريخ اليمنية ترسم واقعاً جديداً من توازن الرعب الذي تجاوز كافة الحسابات التقليدية. إن هذا التحالف الجديد لا يمثل إضافة نوعية في موازين القوى، بل هو محاولة بائسة لتعويض النقص في "الشرعية السياسية"عبر تكديس الشرعية العسكرية الزائفة. فالتكنولوجيا المتقدمة التي تتباهى بها الجيوش المشاركة لم تستطع، طيلة اثنتي عشرة سنة، أن تمنع اليمن من امتلاك زمام المبادرة أو تأمين سيادته. إن محاولة خلق جدار دفاعي عبر الاستعانة بقوى إقليمية مثل تركيا وباكستان لن تصطدم فقط بالقدرات العسكرية لليمن، بل ستصطدم بوعي شعبي يدرك أن هذه التحالفات ليست سوى محاولات لترميم هيبة متآكلة، وأن موازين القوى في المنطقة لم تعد تُحسم بعدد الرؤوس أو حجم الميزانيات، بل بمدى القدرة على الصمود والابتكار في مواجهة الحصار والعدوان.
يبقى السؤال الأهم الذي يجب أن يواجه به القادة في أنقرة وإسلام آباد: ما الذي يقدمه اليمن لهذا التحالف سوى الانجرار إلى مستنقع استنزاف لا نهاية له؟ إن الانخراط في اتفاقية مكةيضع هذه الدول أمام اختبار حقيقي لمبادئها السياسية وسيادتها الوطنية. فهل تقبل تركيا، التي تطمح لتمثيل ثقل إقليمي مستقل، أن تكون مجرد ظهير عسكري لتغطية إخفاقات حليف خليجي؟ وهل تضع باكستان مصالحها الاستراتيجية في مهب صراعات لا تخدم أمنها القومي، بل تخدم أجندات تهدف لتثبيت واقع معادي لمشاريع المنطقة المستقلة؟ إن الانضمام إلى تحالف يُعرف تاريخياً بأنه تحالف العجز يعني المشاركة في تحمل التبعات الأخلاقية والقانونية لسياسة الحصار والتجويع. إن التاريخ لن يذكر هؤلاء الشركاء كحماة للأمن، بل كأدوات في منظومة حاولت كسر إرادة شعب لم يطلب سوى العيش بكرامة. إن الهروب إلى الأمام عبر توسيع دائرة الصراع لن يؤدي إلا إلى تعقيده، وسيجعل من اتفاقية مكة فصلاً جديداً في كتاب الفشل، حيث يُدفع فيه ثمن الأخطاء السعودية من دماء وجنود وقادة لا ناقة لهم في اليمن ولا جمل.
