الوقت - تشير النزاعات العسكرية الأخيرة في اليمن إلى تزايد عدد عمليات الطائرات المسيّرة وتنوعها من قبل حركة أنصار الله، بالإضافة إلى المرتزقة الموالين للسعودية، بحيث أصبحت الطائرات المسيّرة إحدى الساحات الحاسمة في الحرب؛ وهو أمر لم يكن معهودًا من قبل.
تطور حرب الطائرات المسيّرة
برز هذا التطور بشكل أوضح في أغسطس/آب، عندما دخلت الطائرات المسيّرة الصغيرة والطائرات متعددة المراوح المزودة بقدرة على حمل الذخيرة وإطلاقها إلى ساحة المعركة. ويأتي هذا في الوقت الذي يسعى فيه المرتزقة المدعومون من السعودية إلى اللحاق بأنصار الله من حيث قدرات الطائرات المسيّرة، التي طورت ترسانة متنوعة من الطائرات المسيّرة على مدى العقد الماضي.
يضم ترسانة أنصار الله من الطائرات المسيّرة نموذجين رئيسيين. أولهما طائرات "قاصف"، وهي طائرات هجومية أحادية الجناح، تشبه في تصميمها إلى حد كبير طائرات "أبابل-تي" الإيرانية، ويمكنها حمل رأس حربي متفجر يزن حوالي 30 كيلوغرامًا. وعلى عكس طائرات الاستطلاع التي تعود بعد انتهاء مهمتها، صُممت هذه الطائرات أساسًا للوصول إلى الهدف وتفجيره. وتُعدّ طائرتا "قاصف-1" و"قاصف-2" من الأمثلة المعروفة على هذه الفئة.
أما الفئة الثانية فهي طائرات "صماد"، التي تم إنتاج أربعة نماذج منها حتى الآن. وقد استُخدمت طائرة "صماد-1" في الغالب لأغراض الاستطلاع، بينما ذُكرت طائرتا "صماد-2" و"صماد-3" على وجه الخصوص في تقارير مختلفة كطائرات هجومية بعيدة المدى.
وتُعدّ طائرة "صماد-3" من أبرز نماذجها. ويبلغ مداها المعلن حوالي 1500 كيلومتر، ويمكنها حمل رأس حربي متفجر يزن حوالي 18 كيلوغرامًا.
على الرغم من أن سعة ذخيرة طائرة صماد-3 أقل من سعة طائرة قاصف، إلا أن مداها الأطول يسمح لها بالوصول إلى أهداف على مسافات أبعد وداخل الدول المجاورة.
تم النظر في استخدام طائرة صماد-3 في الهجمات بعيدة المدى التي شنتها جماعة أنصار الله ضد أهداف في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ولاحقًا في سياق الهجمات المتعلقة بالبحر الأحمر. صُممت هذه الطائرات المسيرة بشكل عام لتكون مناسبة للتحليق لمسافات طويلة.
أما طائرات "وعيد" المسيرة، فهي مصممة أيضًا لهجمات أنصار الله بعيدة المدى، وتُصنف عمومًا كطائرات مسيرة أحادية الغرض، مصممة لإيصال حمولات متفجرة إلى الأهداف. ينصب التركيز الرئيسي لهذه الفئة على الوصول إلى الأهداف على مسافات بعيدة.
طائرة "يافا" المسيّرة هي طائرة انتحارية بعيدة المدى، يبلغ طولها 3 أمتار وعرض جناحيها 6 أمتار، كشفت عنها جماعة أنصار الله بعد عملية ناجحة اخترقت فيها حاجز الدفاع الجوي الإسرائيلي وأصابت هدفًا في تل أبيب في يوليو 1403.
طائرات "الرؤية من منظور الشخص الأول" (FPV) المزودة بألياف بصرية
في تطور هام، بحسب صحيفة العربي الجديد، اكتشفت القوات المتحالفة مع السعودية على جبهة مأرب في 11 أغسطس طائرة "رؤية من منظور الشخص الأول" (FPV) صغيرة الحجم مزودة ببكرة ألياف بصرية، وصادرتها.
ووفقًا لتحليل نشرته منصة "شبا إنتليجنس"، المتخصصة في أمن البحر الأحمر وباب المندب، تُعد هذه أول حالة موثقة لوجود هذا النوع من الطائرات المسيّرة في ترسانة أنصار الله.
تجدر الإشارة إلى أن قوات أنصار الله نشرت خلال الشهرين الماضيين صورًا ومقاطع فيديو عديدة لهجمات بطائرات مسيّرة على مواقع مرتزقة مدعومين من السعودية، ما يُظهر دقة هذه الأسلحة العالية. في بداية عملية التحالف السعودي الإماراتي في اليمن في مارس/آذار 2015، اعتمدت أنصار الله بشكل أساسي على الأسلحة الخفيفة، لكنها الآن، بالاعتماد على القدرات المحلية، حققت تقدماً في مجال إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، ووسّعت نطاق قدراتها العسكرية.
تُعدّ الطائرات المسيّرة المزودة بتقنية الألياف الضوئية أسلحة تكتيكية منخفضة التكلفة نسبياً، تُستخدم عادةً بالقرب من خطوط التماس، وتُستخدم لاستهداف المركبات العسكرية ومواقع المدفعية والتحصينات والمشاة.
لم يقتصر هذا التطور على الطائرات المسيّرة المزودة بتقنية الألياف الضوئية، فقد أظهرت صور نشرتها وسائل إعلام حربية تابعة لأنصار الله في 21 أغسطس/آب استخدام طائرات مسيّرة متعددة المراوح من نوع "الكوادكوبتر"، قادرة على حمل ذخائر صغيرة.
ومن بين طائرات أنصار الله المسيّرة القادرة على تنفيذ مثل هذه المهام طائرة "الرجوم"، وهي طائرة مسيّرة سداسية المراوح تُستخدم في مهام الاستطلاع وإسقاط الذخائر على الأهداف الأرضية.
في 14 سبتمبر، زعمت القوات المعروفة باسم "العمالقة الجنوبيون" إسقاط طائرة مسيّرة كبيرة على جبهة كهبوب قرب باب المندب، تشبه طائرة "الرجوم".
الطائرات المسيّرة تدخل سلسلة القتل
كشفت الجولة الأخيرة من القتال عن نمط جديد في استخدام أنصار الله للطائرات المسيّرة، حيث يتم تسجيل صور جوية لهذه الأهداف ونشرها بالتزامن مع الهجمات الصاروخية على المواقع العسكرية.
في 7 سبتمبر، نشرت وسائل الإعلام الحربية التابعة لأنصار الله صورًا تُظهر استهداف شاحنات تحمل معدات عسكرية داخل مخيم الوديعة قرب الحدود اليمنية السعودية.
قد يكون الجمع بين الاستطلاع الجوي والضربات الصاروخية خطوة نحو تطوير ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بـ"سلسلة القتل". يتيح هذا النهج تحديد الأهداف بشكل أسرع، وتحديد مواقعها بدقة أكبر، وتحسين توقيت الضربات، وتقييم نتائج العمليات، لا سيما عند التعامل مع أهداف متحركة أو أهداف لا تظهر إلا لفترة وجيزة.
انتشار الطائرات المسيّرة بين الأطراف المتحاربة
بالإضافة إلى أنصار الله، أحرزت القوات المتحالفة مع السعودية تقدماً ملحوظاً في قدرات الطائرات المسيّرة خلال الأشهر الأخيرة. ففي يوليو الماضي، أعلنت هذه القوات رسمياً عن امتلاكها طائرات هجومية مسيّرة أحادية الجانب.
وفي 18 سبتمبر، نشرت حسابات يمنية مقاطع فيديو لطائرة مسيّرة تحلق فوق صنعاء. ونظراً للتشابه في الشكل، رجّح فريق "مسبار" أن تكون هذه الطائرة المسيّرة شبيهة بإحدى الطائرات التي عُرضت في العرض العسكري في يوليو، إلا أنه تعذّر تحديد طرازها بدقة.
والآن، لم يعد امتلاك هذه القدرات مقتصراً على أنصار الله والقوات المتحالفة مع الرياض. ففي 17 أغسطس، أعلنت كتائب "عمالقة الجنوب" أيضاً عن امتلاكها مجموعات من الطائرات المسيّرة ضمن تشكيلاتها القتالية.
وأظهرت الصور والمحتوى المنشور مزيجاً من الطائرات المسيّرة الهجومية ذات الرؤية الأمامية، والطائرات المسيّرة متعددة المراوح المزودة بأنظمة إطلاق ذخائر، والطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الجناح.
في 28 أغسطس/آب، كشفت قوات درع الوطن عن طائرة مسيرة استراتيجية جديدة خلال مناورة عسكرية، في مؤشر آخر على التوسع في استخدام هذه التقنية بين مختلف القوات المشاركة في الحرب اليمنية.
وبناءً على الأحداث المذكورة، لم يعد تطور حرب الطائرات المسيرة في اليمن مقتصراً على زيادة عددها أو تنوع طرازاتها، بل شمل أيضاً تغير نطاق مهامها، من المراقبة والاستطلاع إلى إيصال الذخائر والهجمات المباشرة، وربط المراقبة الجوية بالهجمات. ونتيجة لذلك، أصبحت الطائرات المسيرة أداةً بالغة الأهمية في إدارة وتوجيه المعارك على أرض الواقع.
