الوقت- تقدمت مؤسسة "هند رجب" الحقوقية بشكوى إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، بموجب المادة 15 من نظام روما الأساسي، ضد نقابة الأطباء الإسرائيلية وأطباء ومسؤولين في وزارتي الصحة والدفاع، على خلفية الاشتباه بتورطهم في تعذيب أسرى فلسطينيين وإساءة معاملتهم داخل معتقل "سديه تيمان" العسكري في صحراء النقب منذ السابع من أكتوبر 2023، بحسب ما نقلته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية. وتأسست المؤسسة في فبراير/شباط 2024 وتتخذ من بروكسل مقراً، وتنشط في ملاحقة مسؤولين وعسكريين إسرائيليين عبر دعاوى قضائية في أنحاء العالم. وما يمنح هذه الشكوى خصوصيتها أنها لا تستهدف جنوداً أو قادة عسكريين فحسب، بل تنقل المساءلة إلى مهنة يفترض أن يكون جوهرها حماية الإنسان لا الصمت على ما يلحق به. وبذلك تتسع دائرة الملاحقة من الميدان العسكري والقرار السياسي إلى المؤسسات المهنية التي توفر، وفق منطق الشكوى، غطاءً أخلاقياً وإدارياً لمنظومة الاحتجاز، وهو تحول نوعي في أساليب العمل الحقوقي الدولي.
ماذا تقول الشكوى؟
تتضمن الشكوى، وفق ما أوردته المؤسسة، ادعاءات بأن الطواقم الطبية طُلب منها علاج معتقلين وهم مقيدو الأيدي ومعصوبو الأعين، وأن قيوداً فُرضت على نقلهم إلى مستشفيات مدنية لتلقي العلاج، فيما وصف أحد الأطباء استخدام الأغلال بأنه ممارسة روتينية داخل المنشأة. وتشير المؤسسة إلى وفاة 29 معتقلاً على الأقل داخل المنشأة حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نتيجة العنف الجسدي أو الإهمال الطبي، إلى جانب تقارير عن عمليات جراحية أُجريت دون تخدير كافٍ. وتقول إن وزارة الصحة الإسرائيلية أقامت مرفقاً طبياً داخل مجمع الاحتجاز بعد أكثر من أسبوع بقليل من هجوم السابع من أكتوبر، توسع من خيمة طبية إلى مستشفى ميداني من الخيام، وأن توجيهات صادرة عن الوزارة أدمجت هذا المرفق في منظومة الاحتجاز بحيث لم يعد مجرد جهة علاج مستقلة. وتشير إلى أن آلاف الفلسطينيين احتُجزوا في المعتقل تحت تصنيف "المقاتلين غير الشرعيين" الذي يتيح احتجازهم دون ضمانات المحاكمة المعتادة. وتتهم الأطراف المذكورة بالاشتباه في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية، وهي ادعاءات لم تُثبتها أي هيئة قضائية بعد، لكنها تستند إلى شهادات وتقارير متراكمة.
لماذا النقابة تحديداً؟
ترى المؤسسة أن هذه الممارسات تهدف إلى طمس المسؤولية الطبية الفردية، وتعرقل تسجيل الإصابات في سجلات طبية خاضعة للتدقيق القانوني، وأن نقابة الأطباء، بدلاً من التحقيق في الاتهامات، دافع قياديون فيها علناً عن الرعاية المقدمة في "سديه تيمان". وتزامنت الشكوى مع اجتماع الجمعية الطبية العالمية في روتردام، وهو توقيت مدروس، فرئيس الجمعية الطبية الإسرائيلية تسيون هاغاي يرأس لجنة الشؤون الاجتماعية والطبية في الجمعية العالمية، وتشغل مديرتها التنفيذية ليا وابنر مناصب استشارية في عدد من لجانها. بهذا المعنى لا تستهدف الشكوى المسار القضائي وحده، بل شرعية النقابة المهنية والأخلاقية داخل المؤسسات الطبية الدولية التي تستمد منها غطاءً معنوياً. وتكتسب مسألة السجلات الطبية أهمية خاصة، فهي الدليل الأول في قضايا التعذيب بحسب بروتوكول إسطنبول الأممي لتوثيقه، وغيابها أو عدم دقتها يحرم الضحايا من أهم أدوات الإثبات أمام أي جهة تحقيق مستقبلية، ويحمي في المقابل من يرتكبون الانتهاكات من المساءلة.
حدود الشكوى ومسارها القانوني
ينبغي التعامل مع الشكوى بواقعية، فتقديم بلاغ بموجب المادة 15 لا يفتح تحقيقاً تلقائياً، بل يضع المعلومات أمام المدعي العام الذي يقرر ما إذا كانت تستدعي المتابعة. كما تأتي في وقت تتعرض فيه المحكمة لضغوط غير مسبوقة، منها العقوبات الأمريكية التي أدانها الأمين العام للأمم المتحدة، وإقالة مدعيها العام السابق. ومن المتوقع أن يثور جدل قانوني حول الاختصاص، لأن المنشأة تقع داخل إسرائيل، وهي لا تعترف بالمحكمة. غير أن قيمة هذه الخطوة لا تقتصر على النتيجة القضائية، فهي توثق الادعاءات رسمياً، وتضغط على الهيئات المهنية الدولية، وتمهد لدعاوى أخرى أمام محاكم وطنية تعتمد الولاية القضائية العالمية. ولم تُنشر حتى الآن ردود تفصيلية من النقابة على الشكوى، ما يقتضي انتظار روايتها كاملة، دون أن يبرر ذلك تأجيل المطالبة بتحقيق مستقل ونزيه، خصوصاً أن الادعاءات المتعلقة بالوفيات والإهمال الطبي تستند إلى تقارير وشهادات صدرت من أكثر من جهة.
الطب أمام اختبار الضمير
أيًّا كان مصير الشكوى أمام المحكمة، فهي تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل يجوز للطبيب أن يكون جزءاً من منظومة احتجاز تتهمها منظمات حقوقية بالتعذيب، دون أن يخرق أخلاقيات مهنته؟ فالقواعد الطبية الدولية واضحة في تحريم المشاركة في التعذيب أو التستر عليه، وتُلزم الطبيب بتوثيق ما يراه بأمانة. ومن هنا تقع على الجمعية الطبية العالمية مسؤولية فتح تحقيق مستقل في موقف النقابة الإسرائيلية، وعلى المجتمع الدولي المطالبة بتمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجهات أممية من زيارة المعتقل. وقد يشمل ذلك تعليق المناصب القيادية لممثلي النقابة في لجان الجمعية العالمية إلى حين انتهاء التحقيق، فصمت الأوساط الطبية إزاء ما يُنسب إلى زملائها يرسل رسالة خطيرة بأن المهنة يمكن توظيفها في خدمة أي سياسة. ويبقى السؤال: هل تنجح هذه الشكوى في تحويل الضمير المهني العالمي إلى ضغط فعلي يحمي الأسرى، أم أن مصيرها سيكون كسابقاتها من ملفات وُثقت بعناية ثم ضاعت في دهاليز السياسة؟
