الوقت - في الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد، أكد عباس عراقجي، وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، على ضرورة إعادة تفعيل دور هذه المنظمة في حل قضايا العالم الإسلامي ومواجهة التحديات المشتركة للدول الإسلامية؛ وهي دورة احتلت فيها القضية الفلسطينية مكانة مركزية، وسعت إيران خلالها إلى إبراز هذه القضية على ساحة العمل المشترك للدول الإسلامية.
في تصريحاته للصحفيين في بغداد، انتقد عراقجي أداء منظمة التعاون الإسلامي في الماضي، مشيرًا إلى نقل رئاسة مجلس وزراء خارجية المنظمة الدورية إلى العراق وانتخاب أمين عام جديد، وقال: "للأسف، ولأسباب عديدة قابلة للنقاش، لم تُؤدِّ منظمة التعاون الإسلامي أداءً جيدًا، ولكن مع تعيين أمين عام جديد ونقل الرئاسة الدورية إلى العراق، نأمل أن تكتسب هذه المنظمة زخمًا جديدًا". كما أعرب عن أمله في أن تضطلع منظمة التعاون الإسلامي بدور بنّاء في النزاعات بين الدول الإسلامية. وفي معرض حديثه عن اختلاف وجهات النظر بشأن التطورات في اليمن، أكد وزير الخارجية الإيراني أيضًا على ضرورة أن تكون قرارات المنظمة وبياناتها عادلة ومتوازنة، وأن طهران لا يمكنها تبني مواقف لا تحترم هذه الاعتبارات.
من فلسطين إلى الأزمات الإقليمية
عُقدت الدورة الثانية والخمسون لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد يومي 17 و18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تحت شعار "الحوار والتضامن: ركيزتان أساسيتان لتعزيز السلام والتنمية المستدامة". وذكرت قناة الجزيرة أن ممثلين عن 55 دولة وأكثر من 40 منظمة حضروا الاجتماع.
وتناولت المناقشات بشكل رئيسي القضايا السياسية والأمنية في المنطقة، والتطورات في غزة، وبناء المستوطنات من قبل الكيان الصهيوني، والتهجير القسري للفلسطينيين، والجهود المبذولة لتغيير وضع القدس. إلى جانب هذه القضايا، شمل جدول الأعمال أيضاً الأوضاع في اليمن والسودان وسوريا وأفغانستان، ومكافحة الإرهاب والتطرف، وتطوير التعاون الاقتصادي، والأمن الغذائي والمائي، والاتصالات والتكنولوجيا، والقضايا الإنسانية، ومكافحة الإسلاموفوبيا.
عُقد اجتماع بغداد في ظلّ أزمات إقليمية ودولية عديدة تواجهها الدول الإسلامية، وقد ضاعفت الخلافات حول كيفية التعامل مع هذه الأزمات الحاجة إلى التنسيق بين أعضاء منظمة التعاون الإسلامي.
فلسطين: القضية المحورية للعالم الإسلامي
على الرغم من اتساع نطاق جدول أعمال الاجتماع، فقد شكّلت فلسطين محوره السياسي الأهم. وصف عراقجي، في كلمته، هذه القضية بأنها القضية المحورية للعالم الإسلامي، مؤكداً أنه لا يمكن الحديث عن السلام دون تجاهل الاحتلال وأوضاع الشعب الفلسطيني. ودعا إلى عمل مشترك وعملي من جانب الدول الإسلامية لوقف القتل، وإنهاء الحصار المفروض على غزة، وحماية المدنيين، ومواجهة إفلات إسرائيل من المساءلة.
كما شدد عراقجي على ضرورة تركيز الدول الإسلامية على القضية الفلسطينية، واستخدام إمكانيات منظمة التعاون الإسلامي لمواجهة أعمال الاحتلال. وكان موقف طهران المعلن هو أن استمرار القرار، دون متابعة عملية ومنسقة، لا يكفي وحده لإنهاء الاحتلال والعنف. وترد تفاصيل مواقف وزير الخارجية الإيراني في تقرير صحيفة طهران تايمز عن كلمته.
انعكست أهمية القضية الفلسطينية أيضاً في البيان الختامي للاجتماع. فبحسب التقرير الرسمي لمنظمة التعاون الإسلامي، أكد إعلان بغداد والقرارات الختامية على مركزية القضية الفلسطينية، ودعم حقوق الشعب الفلسطيني، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس. إلا أن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في الفجوة بين الاتفاق على بنود القرارات وتطبيقها العملي؛ وهي مسألة أكد عليها الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي أيضاً بعد الاجتماع.
الدبلوماسية الإيرانية في خضم الحرب
يأتي تركيز طهران على القضية الفلسطينية في وقت تواجه فيه إيران حرباً وضغوطاً عسكرية من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. ومع ذلك، فإلى جانب سعيها لتحقيق مصالحها الأمنية، تستغل طهران أيضاً وجودها في المؤسسات الإسلامية متعددة الأطراف للفت انتباه الدول الإسلامية إلى القضية الفلسطينية؛ وهو نهج يُظهر أن فلسطين، من وجهة نظر إيران، ليست قضية ثانوية أو مؤجلة في المعادلات الإقليمية.
ويتناقض هذا الموقف مع مسار بعض الدول الإسلامية التي اتجهت نحو تطبيع العلاقات مع تل أبيب في السنوات الأخيرة. في عام ٢٠٢٠، طبعت الإمارات والبحرين علاقاتهما مع تل أبيب في إطار اتفاقيات إبراهيم، وهي عملية ترافقت لاحقًا مع توسيع العلاقات مع المغرب. وتُسجّل الوثائق الرسمية لهذه الاتفاقيات في قاعدة بيانات معاهدات الأمم المتحدة ومصادر حكومية رسمية.
يرى منتقدو هذه العملية أن التطبيع دون إعمال حقوق الشعب الفلسطيني قد يُسهم في تهميش قضية الاستقلال الفلسطيني وتطبيع الاحتلال. في المقابل، تسعى إيران جاهدةً لإبقاء القضية الفلسطينية في صميم النقاشات في العالم الإسلامي، وتدعو الدول الإسلامية إلى تجاوز المواقف التصريحية والتوجه نحو العمل الفعلي.
أظهر اجتماع بغداد مجددًا وجود إجماع لفظي على مستوى منظمة التعاون الإسلامي بشأن ضرورة دعم الحقوق الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة؛ إلا أن الاختبار الحقيقي لهذه المنظمة يكمن في قدرتها على ترجمة هذا الإجماع إلى قرارات فعّالة وقابلة للتنفيذ، أو ما إذا كانت القضية الفلسطينية ستبقى حبيسة الخلافات السياسية واعتبارات الحكومات.
