الوقت- هدم جيش الاحتلال الإسرائيلي يوم الثلاثاء خمسة محال تجارية شمال غربي الخليل، وأجبر خمس عائلات فلسطينية على إخلاء خيامها في محافظة طوباس شمالي الضفة الغربية. ففي منطقة طريق حسكا، الواصل بين بلدتي بيت كاحل وحلحول، اقتحمت القوات المنطقة برفقة آليات ثقيلة وهدمت خمسة محال تعود ملكيتها للمواطن عدنان القواسمة. وفي منطقة الرأس الأحمر، قال رئيس مجلس قروي عاطوف والرأس الأحمر عبد الله بشارات إن القوات أجبرت خمس عائلات على إخلاء خيامها من الخامسة صباحاً حتى الثانية ظهراً بحجة إجراء تدريبات عسكرية. وتشير الأناضول إلى أن قوات الاحتلال تهدم يومياً منازل ومنشآت فلسطينية بدعوى عدم الحصول على تراخيص بناء، أي أن ما جرى في محافظتين في يوم واحد ليس استثناءً، بل جزء من نمط يومي متكرر. وقد هدمت القوات قبل أيام خمسة منازل في الرام ودير بلوط وبروقين وترقوميا، بحسب وكالة "شينخوا"، ما يؤكد أن الحدث ليس معزولاً بل حلقة في سلسلة متصلة.
المحال التجارية: خنق الاقتصاد بالجرافات
حين يهدم الاحتلال محال تجارية فهو لا يستهدف حجارة بل مصدر دخل. فالمحال الخمسة، الواقعة على طريق يربط بلدتين، تعني عملاً لأسر وعاملين وتجاراً صغاراً يعتمدون عليها في معيشتهم، وهدمها يحرم صاحبها وموظفيه من دخلهم في لحظة واحدة، ويضيف إلى خسارة المبنى خسارة البضائع والمعدات والزبائن. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في الخليل التي تشهد عملية عسكرية دخلت يومها الثامن، وتهجير نحو 780 أسرة تضم قرابة خمسة آلاف فلسطيني، خصوصاً من حيي عين دير بحة والجلدة، بحسب بيانات بلدية الخليل. وفي بيئة كهذه، يصبح الضغط الاقتصادي أداة تهجير فعالة لا تحتاج إلى قرار طرد معلن، إذ يغادر الناس حين يفقدون قدرتهم على العيش. وتحدثت تقارير عن اعتقال 21 مواطناً في دورا جنوب الخليل، بينهم مراسل "الجزيرة" منتصر نصار، قبل الإفراج عنهم لاحقاً، ما يبين أن الضغط لا يقتصر على الممتلكات بل يطال أيضاً من يوثقون ما يجري.
الإخلاء المؤقت أداة تهجير بلا إعلان
الأخطر من الهدم الكامل أحياناً هو الإخلاء المؤقت. فإجبار خمس عائلات على ترك خيامها نحو تسع ساعات بحجة التدريبات يبدو إجراءً عابراً، لكنه حين يتكرر يتحول إلى ضغط تراكمي على مجتمعات رعوية وزراعية هشة، تعتمد على الوجود المستمر في الأرض لحماية حقها فيها. وتشير الأناضول إلى أن محافظة طوباس سجلت 102 إخطار خلال النصف الأول من العام الجاري، وهو العدد الأعلى بين محافظات الضفة، ما يعني أن هذه المحافظة تقع في صدارة الاستهداف. وتجمع الإخلاءات المؤقتة بين غطاء أمني معلن وأثر تهجيري فعلي، فكل مرة يُرغم فيها السكان على المغادرة تقل قدرتهم على الصمود في الأرض. كما أن المجتمعات الرعوية في هذه المناطق تعتمد على الخيمة بيتاً ومصدر رزق، وأي إخلاء، ولو لساعات، يعطل الرعي والإنتاج ويعرضها لمخاطر الطقس، فتتحول التدريبات العسكرية إلى عبء معيشي مباشر على أسر لا بدائل لديها. وتتزامن هذه الإخلاءات مع هدم المحال والمنازل وتفجير البيوت وإقامة نقاط عسكرية، ما يجعل الصورة العامة صورة ضغط متواصل لا إجراءات منفصلة.
الأرقام تكشف النمط
تؤكد البيانات أن ما يجري سياسة لا حوادث. فبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذت سلطات الاحتلال 1814 عملية هدم في الضفة الغربية، بما فيها القدس، بين السابع من أكتوبر 2023 ومطلع أكتوبر 2026، طالت 5059 منشأة، بينها 1894 مسكناً مأهولاً. وفي محافظة القدس وحدها سُجلت 427 عملية هدم وتجريف خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، بعضها اضطر أصحابه إلى تنفيذه بأنفسهم. وتقول محافظة القدس إن بلدية الاحتلال تمتنع عن منح الفلسطينيين تراخيص بناء ثم تهدم أو تجبرهم على الهدم، أي أن حجة "عدم الترخيص" تنتج الواقع الذي تعاقب عليه. ولم يصدر أي تعليق إسرائيلي على عمليات الهدم الأخيرة. والمقلق أن الأرقام لا تعكس الأثر غير المباشر للهدم، من تشريد الأسر وفقدان مصادر الدخل وانقطاع الأطفال عن مدارسهم، وهو أثر يمتد سنوات بعد يوم الهدم نفسه، ما يجعل الخسارة الحقيقية أكبر من أي رقم معلن. وهو ما يستوجب رصداً مستقلاً ومستمراً لهذه الآثار.
أدوات متزامنة في الخليل وما حولها
لا تُستخدم هذه الأدوات منفصلة، بل مجتمعة. ففي الخليل فجّرت قوات الاحتلال منزلي حمودة وأحمد الجعبة، منفذَي عملية الخليل بحسب الروايات الفلسطينية، مع استمرار حصار الأحياء وتهجير مئات الأسر. وفي قرية البرج جنوبي الخليل أُجبرت عائلة من خمسة عشر فرداً على إخلاء منزلها وتحويله إلى ثكنة عسكرية، وأُنذر سكان ثلاثة منازل في العيزرية شرقي القدس بالإخلاء الفوري تمهيداً لهدمها، واقتُلعت أشجار زيتون في اللبن الشرقية. وهكذا تتداخل الأدوات: هدم عقابي، وهدم إداري، وإخلاء مؤقت، ومصادرة منازل للاستخدام العسكري، واقتلاع أشجار، في منظومة تضغط على السكان من اتجاهات متعددة في آن واحد. وتأتي هذه الإجراءات في سياق تصعيد أوسع في الضفة، من إغلاق مداخل رام الله والبيرة إلى الاستيطان وهجمات المستوطنين، ما يؤكد أن ما يجري في الخليل وطوباس حلقة في سلسلة لا مشهد معزول.
ما يقوله القانون
يحظر القانون الدولي الإنساني على القوة القائمة بالاحتلال تدمير الممتلكات الخاصة إلا في حالات الضرورة العسكرية القصوى، كما يحظر النقل القسري للسكان المحميين والعقاب الجماعي. وهدم محال تجارية بحجة عدم الترخيص في أرض محتلة، وإجبار عائلات على ترك خيامها، وتفجير منازل أسر منفذي عمليات، كلها إجراءات يصعب تبريرها بهذه المعايير. ومنذ الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية عام 2024 الذي أكد عدم قانونية الاحتلال، تزداد مسؤولية الدول الثالثة في عدم تقديم أي عون يرسخ هذا الواقع. وتقع على المنظمات الحقوقية والبعثات الدبلوماسية مسؤولية الرصد الميداني المنتظم وزيارة المواقع المهدومة وتوثيق الأضرار بالأسماء والصور والإحداثيات ورفعها إلى الجهات الأممية، فالتوثيق الدقيق هو الأساس لأي مساءلة مستقبلية. ويبقى السؤال: هل تتحول هذه الوقائع اليومية الموثقة بالأرقام والأسماء والأماكن إلى مساءلة فعلية، أم يستمر الهدم والإخلاء بوصفهما روتيناً لا يكلف أصحابه شيئاً؟
